الرئيسيةالبوابةبحـثأرسل مقالس .و .جالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 تذكار مار سركيس وباخوس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Amer-H
صديق فيروزي متميز جدا
صديق فيروزي متميز جدا


علم الدولة : Syria
الجنس : ذكر
المشاركات : 7490
الإقامة : Sweden
العـمل : IT-computer
المزاج : Good
السٌّمعَة : 310
التسجيل : 09/02/2007

مُساهمةموضوع: تذكار مار سركيس وباخوس   الأحد أكتوبر 06, 2013 9:45 pm



مار سركيس وباخوس

مقدّمة:
      مار سركيس وباخوس ماتا شهيدَين في سبيل المسيح. لم يكتب أحد من المؤرّخين في عصرهما تاريخ حياتهما، فكتباه بدمائهما.
خبر استشهادهما سمعته الكنيسة من شهود عيان، فحفظته في صدرها وديعة ثمينة وتناقلته على أفواه أبنائها جيلاً بعد جيل.
      ولا ندري من هو أوّل من سطّر خبر استشهادهما في كتاب. ولكن بما أنّ مار سركيس وباخوس استشهدا في سوريا، على الفرات،
في قلب الكنيسة السريانيّة، نرى أنّ آباء الكنيسة السريانيّة وشعراءها كانوا في طليعة الذين تغنّوا بمدائحهما، وكتبوا قصّة استشهادهما.
ولنا من مار يعقوب السروجي أحد آباء الكنيسة السريانيّة
وأشهر شعرائها المتوفّي سنة 521م قصيدة باللغة السريانيّة، بثلاثمائة بيت ونيّف في مديحهما
      وهناك مخطوطة سريانيّة محفوظة في المكتبة الفاتيكانيّة في روما تعود إلى القرن الثاني عشر، تروي قصّة استشهادهما كما تناقلتها الكنيسة السريانيّة في الشرق
      إلى هذه المخطوطة السريانيّة القديمة، بالمقارنة مع قصيدة مار يعقوب السروجي، نستند في كتابة سيرة هذين القدّيسين الشهيدَين مار سركيس وباخوس.
ونقدّمهما مثالاً وقدوة لشبابنا في المحافظة على الإيمان في لبنان.

الإطار التاريخي والجغرافي :
      نحن في أوائل القرن الرابع للمسيح. روما لا تزال مسيطرة على العالم. وأباطرتها الوثنيّون لا يزالون يضطهدون كنيسة المسيح.
      فعلى مثال نيرون (54 – 68) الذي شنّ الاضطهاد على المسيحيّين في روما، والذي في عهده استشهد مار بطرس وبولس في القرن الأوّل،
تابع الأباطرة الظالمون في القرنين الثاني والثالث اضطهاد المسيحيّين.
وفي أوائل القرن الرابع كان ديوكلسيانوس (284 – 305) يواصل حملات الاضطهاد ضدّ المسيحيّين.
وخلفه في الحكم غاليريوس (293 – 311) فأثار الاضطهاد عليهم في الشرق كلّه. وجاء بعده ابن أخته مكسيميانوس دايا (308 – 313)،
وهو مثل خاله وسائر أسلافه يحمل في قلبه بغضًا شديدًا للمسيحيّين، فشنّ عليهم اضطهادًا واسعًا في الشرق والغرب. وكانت نيقوميديا آنذاك عاصمة
الامبراطوريّة الرومانيّة في الشرق، وقد أرادها ديوكلسيانوس روما ثانية على البوسفور، وكانت غير بعيدة عن المكان الذي ستبنى فيه فيما بعد القسطنطينيّة.
سركيس وباخوس والجيش الروماني :
      في نيقوميديا تلك، جمّع الامبراطور معظم جيوشه للدفاع عن الامبراطوريّة. وكان بين هذه الجيوش فرقة خاصّة تلازم الامبراطور
ولا تفارقه في أيّام السلم ولا في أيّام الحرب. هذه الفرقة من الجيش الروماني كان قائدها سركيس في عهد مكسيميانوس، وكان باخوس معاونًا له.

      لم يصلا إلى هذا المقام الرفيع في الجنديّة، إلاّ بفضل بطولتهما في المعارك، وأمانتهما للدولة وإخلاصهما للملك. كان لسركيس
دالّة عظيمة على الملك وله في القصر نفوذ كبير. وكان له صديق اسمه أنطيوخس، توسّط له سركيس عند الملك فعيّنه حاكمًا على الفرات في سوريا.

      كان سركيس وباخوس مسيحيّين ولكن الملك لم يكن على علم بذلك.
كان يصلّيان سرًّا، ويشجّع الواحد الآخر على الثبات في محبّة المسيح. كانا يتألّمان من الاضطهادات التي يشهدانها ضدّ إخوانهما المسيحيّين.
وكان يعظّمان إيمان الشهداء من رفاقهما، وكان يستعدّان هما أيضًا لتقديم شهادتهما عند ما يأتي يومهما.

الوشاية بسركيس وباخوس :
      وما طال الزمن حتّى أتى ذلك اليوم. فقد وشى بهما حسدًا بعض رفاقهما إلى الملك، بأنّهما مسيحيّان، ولا يقرّبان الذبيحة للأوثان.
استغرب الملك أوّلاً هذه التهمة، لأنّه يعلم وفاءهما له وللدولة، ولكنّه أراد أن يمتحنهما لكي يختبر صدقهما.

الذبيحة للأوثان :
      ففي أحد الأيام وقد كان الملك والقواد وسائر الجنود يحتفلون بتقديم الذبائح للأوثان في هيكل الإله زوس، استدعى الملك
إليه سركيس وباخوس وأمرهما بأن يرافقا الجنود إلى الهيكل. وعند تقديم الذبيحة بحث عنهما فما وجدهما داخل الهيكل، لقد بقيا خارجًا
يصلّيان ويتضرّعان إلى الله لكي ينير عقول الوثنيّين.
فأمر الملك بإحضارهما سريعًا وطلب إليهما أن يركعا أمام مذبح الإله زوس ويشتركا بتقديم الذبيحة للأوثان. أمّا الشهيدان
فرفضا عبادة الأوثان وقالا للملك:

      «نحن ملتزمان أيّها الملك أن نخدمك بالجسد،
      بسبب سلطانك البشريّ على الأرض،
      ولكن لنا ملك حقيقي في السماء،
      كان منذ الأزل وهو باقٍ إلى الأبد،
      ابن الله يسوع المسيح،
      فإيّاه نعبد،
      لأنّه هو ملجأنا ومنقذ حياتنا،
      وله كلّ يوم نذبح روحنا بتواضع،
      ونقرّب القرابين النقيّة المقدّسة بصلوات أفواهنا.
      أمّا الحجارة والأخشاب التي لا حسّ لها،
      والمغشاة بالنحاس والحديد،
      والمصنوعة بشبه صنم،
      فهذه لا نعبدها ولا نقدّم لها ذبيحة».
التجريد والهوان :
      أمام هذا الإيمان العلنيّ بيسوع وهذا الرفض الفاضح للوثن، أمر الملك حالاً بأن يجرّدا من وظيفتهما في الجنديّة فتقطّع مناطقهما،
هناك في الهيكل، ويخلع عنهما رداؤهما وينـزع الطوقان الذهبيان من عنقهما.
وأمر الملك بأن يلبّسا ثيابًا نسائيّة ويكبّلا بقيدين من حديد في عنقهما ويطاف بهما في شوارع المدينة وهما لابسان هذا الزيّ المخجل.
أمّا هما فاحتملا هذا الهوان بفرح وكان يرتّلان في شوارع المدينة ويقولان:
      «كلّ هذا، أيّها المسيح، لأجلك.
      فإنّنا وإن كنّا نسلك في وادي ظلال الموت،
      لا نخاف سوءًا لأنّك معنا.
      لقد خلعت عنّا ثوب الإنسان العتيق،
      وألبستنا ثيابًا مفرحة.
      ووشّحتنا برداء الخلاص.
      مثل عروسٍ جميلة جمّلتنا.
      وبزيّ النساء المحتشمات زيّنتنا»
مار سركيس و مار باخوس في طريق الجلجلة :
      وعندما وصلا إلى قصر الملك مكسيميانوس، استدعاهما الملك إليه، وطلب إليهما مرّة ثانية أن يكفرا بالمسيح فيُعيدهما إلى وظيفتهما.
أمّا هما فلم يجيبا طلب الملك وثبتا على محبّة المسيح. فبعد التهديد والوعيد وأمام الثبات العنيد في الإيمان، قرّر الملك أن يرسلهما
إلى أنطيوخس حاكم الفرات في سوريا ليحاكمهما.
وكان أنطيوخس هذا رفيقًا لسركيس وهو الذي أوصله إلى هذا المقام. وكان قصد الملك من وراء ذلك أن يزعزع إيمانهما بالاتعاب والإهانات
التي يلاقيانها في الطريق والمعاملة القاسية التي يجدانها عند أنطيوخس الذي كان يعدّ أقسى رجل في الإمبراطوريّة.
وهكذا بعد أن ألقي على عنقهما قيدان من حديد، وبعد أن رُبطا بسلاسل من حديد في أيديهما وأرجلهما، أمر الملك بأن يُسلّما إلى مراكز الشرطة
في الدولة، ليُنقلا من مركز إلى آخر حتّى يصلا إلى بلاد الشرق إلى عند أنطيوخس على الفرات. وكتب إليه رسالة بشأنهما ليفحص أمرهما
ويعاملهما بلطف في بادئ الأمر، وإذا لم يرضخا لإرادته فليعذّبهما فيما بعد أشدّ العذابات
  وهنا ابتدأت طريق الجلجلة أمام الشهيدَين. الطريق طويلة وشاقّة. فالمسافة بين نيقوميديا وبين شورا على الفرات، حيث مقرّ أنطيوخس، هي بعيدة جدًّا.
فمن نيقوميديا إلى أنقره 200 كلم ومن أنقره إلى قيصريّة الكبادوك 180 كلم. ومن الكبادوك إلى أنطاكية 350 كلم. ومن أنطاكية إلى شورا
على الفرات 250 كلم أي ما يقارب الألف كيلومتر
  الطريق وعرة أمامهما والجو قاس فوقهما. في مضايق جبال طوروس، يلاقي المسافر أشدّ الأهوال من الذئاب والضباع والأفاعي والثعابين.
وهذا الموكب الحزين لهذين القائدين المجرّدين من أسلحتهما والمقيّدين بالأغلال والسلاسل لم تكن لتخفّف من قساوته في الليالي الكالحات
إلاّ صلوات الشهيدَين، ومحبّة المسيح المتفجّرة من قلبيهما.
وكما ظهر ملاك للمسيح، في نزاعه في بستان الزيتون، وشجّعه على تحمّل آلامه وموته على الصليب، هكذا كان يظهر لسركيس وباخوس
ملاك من السماء، حينًا بعد حين، ليخفّف عنهما وطأة العذاب ويشجّعهما على الثبات في الإيمان.
      في إحدى الليالي ظهر لهما ملاك الربّ وقال لهما:
      «تقوّيا واثبتا ولا تخافا،
      قاتلا الأرواح الشريرة كجنود المسيح الأبطال،
      وبقوّة ربّكما تدوسان العدو تحت أرجلكما.
      وعندما تُنهيان شوطكما،
      تشاهدان ملك المجد يسوع المسيح،
      فيستقبلكما بجيش الملائكة الغفير،
      ويتوّجكما بإكليل الظفر»
  هذا النور الذي هبط عليهما من السماء ملأهما فرحًا وقوّة. فكانا يتابعان سيرهما بسرور ونشاط، ويرتّلان في الطريق تراتيل الحبّ والرجاء:
      «أحببنا طريق شهادتك، أيّها المسيح، أكثر من كلّ ثروة،
      وإنّنا نتأمّل في شريعتك دائمًا لئلاّ ننسى أوامرك.
      فاستجبنا وافتح بصائرنا لنرى معجزات شريعتك»

مار سركيس و مار باخوس في ديوان الحاكم :
      بعد ثلاثة أو أربعة أشهر وصلا إلى مدينة بالس على الفرات، حيث كان يقيم، في ذلك الوقت أنطيوخس.
فهذا بعد أن قرأ رسالة الملك، أمر بإرسالهما إلى السجن. وفي الغد أمر بإحضارهما إلى ديوانه وأخذ يتودّد إليهما لكي يخضعا لأوامر الملك
ويقدّما الذبيحة للآلهة، فيرجعهما إلى مقامهما الأوّل ويزيد من كرامتهما. أمّا هما فأجابا أنطيوخس وقالا له:
      «إنّنا تركنا كلّ ما يُرى على الأرض،
      واحتقرنا الجنديّة في هذه الزمان القصير،
      وتبعنا يسوع المسيح، ابن الله الحيّ،
      ليجنّدنا في الملكوت السماوي،
      ويضمّنا إلى أجواق الملائكة الروحانيّين،
      ويحصينا في عساكر الملائكة القدّيسين.
      ماذا نربح، إن ملكنا العالم كلّه وخسرنا نفسنا؟..
      نحن لا نسجد ولا نقدّم الذبائح للحجارة والأخشاب،
      لكنّنا نعبد يسوع المسيح ملك العالمين أجمعين.
      فله تسجد كلّ ركبة في السماء وعلى الأرض،
      وإيّاه يسبّح ويشكر كلّ لسان.
      أمّا آلهتكم أنتم فليست بآلهة،
      بل أصنام صمّاء صنعتها أيادي البشر»
جَلْد باخوس :
      حينئذٍ غضب أنطيوخس وأمر بأن يُخرَج سركيس إلى خارج المحكمة ويُحفظ باحتراس. أمّا باخوس فقد حُكم عليه بأن يُمدّد كمصلوب
على خشبة ويُجلد باعصاب البقر. فتناوب الجلاّدون عليه حتّى تعبوا وخارت قواهم.
      فعندما تمزّق جسده وسال دمه على الأرض، رفع صوته بألم وقال للحاكم:
      «من كان يضربني قد تعب،
      وكُفرك قد دُحِض،
      وملكك الظالم قد انهزم.
      وأمّا أنا فقد أعدَّ لي سيّدي الإكليل.
      فبقدر ما يتشوّه هذا الجسد الخارجيّ،
      كذلك يتجدّد الإنسان الداخلي في الحياة الجديدة،
      التي تتجلّى للساجدين للمسيح»
استشهاد باخوس :
      وعندما قال هذا سُمع صوتٌ من السماء يقول:
      «هلمَّ الآن إلى الملكوت المعدّ لك،
      أيّها المنتصر في جهاده،
      والمشتمل بالنور والمتّشح بالظفر،
      مار باخوس بطل المسيح»
      وفي تلك الساعة أسلم الطوباويّ نفسه في يد الملائكة القدّيسين.

حزن سركيس عند علمه باستشهاد مار باخوس :
      فلمّا علم سركيس باستشهاد رفيقه باخوس استولى عليه الحزن وراح يبكيه بمرارة نفس ويقول:
      «الويل لي يا أخي ورفيقي في الجنديّة...
      لقد انفصلنا الواحد عن الآخر ولم نعد نرتّل معًا:
      ما أطيب وما أحسن أن يسكن الإخوة معًا.
      لقد انفصلتَ عنّي وصعدتَ إلى السماء،
      وتركتني على الأرض وحيدًا في مكان بعيد»
      وفي الليل، بينما هو يفكّر في هذا، إذا بالشهيد باخوس يتراءى له بشكل وقور يغمره الفرح والسرور ويلمع وجهه كالورد ويقول له مشجّعًا:
      «لا تحزن يا أخي ولا تكتئب.
      فإنّي وإنم كنت انفصلت عنك بجسدي،
      إلاّ إنني بروحي باقٍ معك في كلّ حين، للاعتراف بالمسيح.
      اثبت على الاعتراف بالمسيح،
      واتبع أخاك بشهادة صالحة،
      فيكمل الحبّ بيننا.
      جميل جدًّا أن نكون معًا في المسكن السماويّ،
      ونرث الملكوت الباقي مدى الدهر»
دفاع سركيس :
      وفي اليوم التالي خرج أنطيوخس من مدينة بالس وذهب إلى مدينة شورا وأخذ معه سركيس.
وكان يتوسّل إليه في الطريق حتّى يسجد للآلهة ويترك المسيح.
لكن سركيس لم يُذعن لكلامه بل كان يردّد هذا القول:
      «إني أسبّح وأسجد فقط ليسوع المسيح ملك العالمين أجمعين»
      ولمّا وصل أنطيوخس إلى مدينة شورا عقد مجلسًا لمحاكمة سركيس وحاول أوّلاً أن يسترضيه بلطيف الكلام ليتخلّى
عن إيمانه المسيحيّ ويعبد الآلهة فقال له:
      «لقد رأيتَ ذلك الشقيّ باخوس،
      كيف تمسّك برأيه الصلب،
      ولم يشأ أن يُذعن ويقدّم الذبيحة لساداتنا الآلهة،
      بل خسر حياته من هذا العالم الجميل اللذيذ،
      وصار إلى موت غامض وظلام كئيب.
      لماذا أنتَ يا سيّدي سركيس،
      رضيتَ أن تتبع بدعة المسيحيّين الشريرة،
      وتصل إلى هذا الذلّ والعذاب،
      فإنّي عندما أتذكّر مجدك العظيم،
      وامتيازاتك الرفيعة، لدى سيّدنا الملك،
      أخجل عنك.
      فأنا أعلم أن المقام الرفيع الذي أنعمُ به،
      ما حصلتُ عليه إلاّ بواسطتك»
      فأجابه سركيس بتواضع وبشاشة وقال له:
      «يا أنطيوخس،
      هذا الججل الذي نعانيه من البشر وقتًا قليلاً،
      نأخذ عوضه من المسيح دالة كبيرة ومجدًا عظيمًا.
      هو بداته بشّرنا وقال:
      من يُهلك نفسه لأجلي يجدها.
      يا ليتك يا أنطيوخس، توافقني،
      وتتعرّف إلى يسوع المسيح، ملك المجد،
      وتكفر بالملك الأرضيّ،
      الذي يَسقط تاجُه ويزول حكمُه،
      وتُؤهّل للميراث المحفوظ للمؤمنين،
      وتُدعى أخًا ووريثًا في مدينة القدّيسين.
      وتُقبَل لدى الملك السماويّ الذي يدوم ملكه إلى الأبد،
      وتفوز بالحياة التي لا تنتهي».
      حينئذٍ أجابه أنطيوخس بغضب وقال له:
      «إنّ ما رددتَه أمامي ما هو إلاّ كلام سخيف وخرافات فارغة.
      فاترك الآن هذا الكلام الباطل،
      واقتنع بكلامي وقدّم الذبيحة للآلهة.
      وإلاّ فإنّي أعاملك بأحكام مرّة وعذابات قاسية»

      فأجابه سركيس قائلاً:
      «اصنع ما تشاء.
      فأنا متّكل على يسوع المسيح سيّدي، فهو يساعدني.
      فقد قال لنا: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد،
      ولا يستطيعون أن يقتلوا النفس.
      خافوا خاصّة من الذي يمكنه أن يقتل النفس والجسد،
      ويلقيَهما في جهنّم.
      أنت مسلّط على جسدي، فتعذّبه كما تشاء،
      ولكن اعلم يا أنطيوخس، أنك وإن قتلت جسدي،
      فنفسي لا يمكنك أن تقتلها،
      لا أنت ولا ملكك مكسيميانوس»
عذاب المسامير :
      عندئذٍ غضب أنطيوخس غضبًا شديدًا وأمر بأن يوضع في رجلَي سركيس حذاء، غُرزت في داخله مسامير من حديد طويلة وحادّة.
وأمر جنودَه، أن يسيروا به بسرعة أمام مَرْكَبته وهو منتعل هذا الحذاء. فساروا بالشهيد مسافة تسعة أميال من بلدة شورا إلى بلدة مجدل ميَّا.
أمّا سركيس فبالرغم من الدم الذي كان يسيل من رجليه كان يرتّل ويقول:
      «وكلتُ أمري إلى الله،
      فمال إليّ وسمع صلاتي.
      واصعدني من جبّ الضلال الفاسد،
      ومن قذارة عبادة الأصنام الوثنيّة.
      ثبَّتَ رجليّ على صخرة الإيمان،
      وهدى خطواتي إلى المعتقد الصحيح»
      وعندما دخل إلى بلدة مجدل ميّا قال له أنطيوخس:
      «إنّي أعجب منك يا سركيس،
      كيف قدرتَ أن تتحمّل هذه الآلام والتجارب الصعبة،
      بعد أن كنتَ تنعم بتلك العظمة والملذّات!»
     فأجابه سركيس بفرح:
      «يا صاحبي أنطيوخس،
      إنّ هذه الآلام والعذابات في سبيل المسيح ليست مرّة عليّ،
      بل إنّها أحلى وأعذب من شهد العسل»
      بعد ذلك طُرح سركيس في السجن. وفي السجن لم ينقطع عن الصلاة وترتيل المزامير. وعند منتصف الليل، ظهر له ملاك الربّ
وشجّعه واقترب منه ولمس رجليه وشفاه من جراحاته.
وعند الصباح أمر أنطيوخس بإخراج سركيس من السجن وإحضاره إليه. فلمّا مثل أمامه تعجّب كيف أنه استطاع الوصول
إليه ماشيًا على قدميه بدون وجع وقال مندهشًا:
      «إنّ هذا الرجل لساحر».
      ولمّا رآه متصلّبًا في رأيه ورافضًا عبادة الأصنام أمر أنطيوخس أن يوضع في رجلَي سركيس حذاءُ العذاب الذي انتعله من شورا
إلى مجدل ميّا ويُساق بسرعة أمام مركبته من مجدل ميّا حتّى الرصالة مسافة تسعة أميال أيضًا.
وعند الوصول إلى الرصافة قال أنطيوخس لسركيس:
      «هل استفقت من جنونك يا شقي،
      وتخلّيتَ عن معتقدك الصلب؟
      هل تقدّم الآن الذبيحة للآلهة؟
      فأجابه سركيس:
      «لن أسجد للأبالسة والشياطين،
      ولن أقدّم الذبيحة للأصنام،
      بل للربّ إلهي أذبح نفسي،
      وإليه أتضرّع ليرتضي بي»

استشهاد سركيس بحدّ السيف :
      حينئذٍ أصدر الحكم عليه بقطع رأسه.
      ولمّا أخذه الجلاّدون ليقطعوا رأسه، كان جمع غفير من الرجال والنساء والفتيان يتبعون الشهيد وكانوا يتأملون في وجهه الجميل الذي
كان يتلألأ بالنور كأنّه الشمس وكانوا يتحسّرون ويبكون على قتله. فسركيس كان في الثلاثين من عمره، وكان فتًى جميلاً وفارسًا جبّارًا.
وعندما وصلوا إلى المكان الذي سيُقطع فيه رأسه، طلب سركيس من السيّاف أن يسمح له بقليل من الوقت حتّى يصلّي. حينئذٍ رفع عينيه
إلى السماء وبسط يديه إلى العلى ورفع صوته وقال:
      «يا رب. لا تحسَب على الذين يقتلونني هذه بخطيئة.
      بل اهدهم إلى إيمانك الحقيقيّ،
      وافتح بصائرهم،
      ليعلموا ويعرفوا أنّهم سالكون في ظلام الضلال.
      يا ربّ بين يديك أستودع روحي،
      ولأجل اسمك أُذبح قدّامك»
      وعندما قال هذا رسم إشارة الصليب على جبهته وصدره وجثا على الأرض وحنى عنقه قدّام السيف وقبل حكم الموت، فرحًا، حبًّا بالمسيح.
وكان ذلك في السابع من تشرين الأوّل سنة 312 للمسيح
استشهاد مار سركيس في شعر مار يعقوب :
      هذ الموت الشجاع الذي ماته مار سركيس في الرصافة على الفرات سنة 312، خلّد ذكره، بعد مئتي سنة، مار يعقوب السروجي الذي عاش
في تلك الناحية بالذات وجسّد في شعره إيمان بني قومه، فصوّر في قصيدة من عيون الشعر استشهاد مار سركيس، في أهمّ مراحله. فجاءت قصيدته شهادة
حيّة في إثبات حقيقة هذا الاستشهاد، وبيّنت بالبديع من المعاني، حبّ مار سركيس العظيم للمسيح، وأثبتت حقيقة عذابه بالمسامير وحقيقة موته بحدّ السيف
ورسمت بعض الخطوط الكبرى لطريق عذابه خارجًا عن وطنه، وعظّمت أخيرًا القوّة الإلهيّة التي حلّت في عظامه.
      وإليكم بعض الأبيات من هذه القصيدة معرَّبة عن السريانية. قال ما يعقوب السروجي، في حبّ مار سركيس مخاطبًا المسيح:
      «حبّك سانده ودفعه إلى السيف»
      وإذ هو فَرِح مدّ عنقه للسيف لأجلك»
      ويحلّل مار يعقوب الحبّ الإلهيّ في النفس ويصوّر ما يحدّثه في قلب الإنسان من قوّة وفرح فيقول:
      «عندما يدخل الحبّ إلى النفس وتصطبغ النفس به»
      «يهون لديها السيف وألف موت وموت»
      «فهي تُسَرُّ بالأوجاع ولا ترهب الأهوال»
      «تغطس بالدم وتعتبر القتل وليمة»
      ويعود السروجي فيكلّمك عن هذا الحبّ الشديد في نفس سركيس نفسه ويدعوك إلى التأمّل في مفاعيل هذا الحبّ فيقول:
      «تعال وانظر هذا الشهيد الذي امتلأت نفسه حبًّا»،
      «فقد أصبحت كلّ الآلام هيّنة لديه لأجل حبيبه».
      «بحبّه الداخليّ داس المسامير الحادّة»،
      «وبينما جسمه يتمزّق بالحجارة لم يكن يتذمّر».
      «تمزّق جسده بالحجارة ولم يتحسّر على جسده الممزّق»،
      «لأنّ الإنسان لأجل حبيبه يتحمّل كلّ الآلام».
      «أشواك الحديد لم تؤذه وهو يسير»،
      «ليذهب إلى حبيبه إلى وطن الحياة ويحيا معه»
      والفرح ميزة خاصّة في استشهاد مار سركيس. عند هذا الفرح في العذاب يتوقّف السروجي وينشد:
      «القيود والسلاسل والاضطهادات حملها وهو فارح»،
      «لأنّ نير يسوع خفيف لديه وهو لأجله يتألّم»
      والدافع إلى كلّ ذلك مثال المسيح. وفي هذا يقول السروجي مخاطبًا يسوع:
      «بينما كان يتألّم نظر إلى جراحاتك فنسي آلامه»،
      وتذكّر عارك وهو يُهان فقبل الهوان بفرح»
      ومثال المسيح مسمّرًا على الصليب هو الذي دفع مار سركيس ليدوس المسامير. وفي هذا يقول السروجي مخاطبًا يسوع:
      «لأجل المسايمر التي رآها في يديك داس المسامير»،
      «واحتمل الأوجاع بلا تذمّر لأجل آلامك»
      وتلك الحربة التي طعنت جنب المسيح هي التي حملت مار سركيس ليموت بحدّ السيف. وفي هذا أيضًا يقول السروجي مخاطبًا يسوع:
      «نظر في سَنان الحربة التي تسلّطت عليك»،
      ولم يخَفْ من حدّ السيف ليموت نظيرك»
      وفي موت مار سركيس خارجًا عن وطنه قال مار يعقوب السروجي:
      «وقعت عليه القرعة ليحاكَم خارجًا عن وطنه»،
      «فشابه المسيح الذي خرج ليتألّم خارجًا عن المدينة»
      «خرج من وطنه ولم يحزن لدى خروجه»،
      «لأنّ الربّ هو الوطن والأبرار يسيرون فيه»
      وتلك الطريق التي قطعها مار سركيس في آلامه رسم السروجي بعض خطوطها في كلامه فقال:
      «في الطريق التي سلكها لاقى المسامير والسيف والموت».
      ومع هذا لم يتراجع لأنّه كان ممتلئًا حبًّا فاحتمل كلّ شيء».
      «مشى على المضايق وهو سائر نحو الله»،
      «فلم يعتبرها مضايق في سبيل الله»
      «نظر إلى الصليب فامتلأت نفسه نورًا من الصليب»،
      «وبهذا النور كان يسير بشجاعة إلى وطن النور»
      وعظام مار سركيس التي حفظها المؤمنون كذخيرة مقدّسة في الرصافة وبنوا لإكرامها كنيسة عظيمة لا تزال آثارها باقية إلى اليوم.
هذه العظام المقدّسة فجّرت العجائب في تلك المنطقة، وبقيت إلى زمان طويل حارسة تلك البلاد من الأضرار. وفي هذا يشهد السروجي ويقول:
      «ذخيرة عظامه مثل فرقة من الأبطال»،
      «تحرس البلاد من الأضرار بقوّة الله»
      وقد حلّت قوّة الله في تلك العظام وصنعت من ترابها العظائم. وفي هذا يقول مار يعقوب:
      «في تراب عظام الأبرار يحلّ الله»
      «وقوّته تلتصق بتراب عبيده وتستريح هناك».
      «على ترابهم تخيّم ألوهيّته بقداسة»
      «وفوّته تتفجّر من عظامهم ببسالة»

الخاتمة  :    
والنتيجة الروحيّة لموت مار سركيس في تلك المرحلة من التاريخ كانت عظيمة جدًّا لكلّ الكنيسة:
      ففي السابع من تشرين الأوّل سنة 312 كان استشهاده. وفي التاسع والعشرين من تشرين الأوّل من السنة نفسها، افتتح قسطنطين الكبير روما، منتصرًا
على أعدائه بقوّة الصليب.
وفي شباط من السنة التالية أي سنة 313 أصدر مرسومَه الشهير المعروف بمرسوم ميلان وفيه أوقف الاضطهاد ضدّ المسيحيّين ومنحهم حريّة الدين.
وانقلبت فيما بعد الدولة الرومانيّة من وثنيّة إلى مسيحيّة، ومن مضطهِدة إلى محامية عن الدين المسيحيّ.
 وهكذا كان دم سركيس الطاهر ودم رفيقه باخوس عربون سلام لكلّ الكنيسة، كما كانت عظامُهما ذخيرة بركة وقوّة لكلّ المنطقة.
 ونحن نؤمن أنّه كما أعادت دماءُ مار سركيس وباخوس، ودماءُ الشهداء القدّيسين، السلام للكنيسة في ذلك الزمان، وكما حفظت عظامُ الشهداء
كنيسة المسيح من كلّ الأضرار، على مرّ الأجيال...
هكذا اليوم بشفاعة مار سركيس وباخوس وهذا الموكب العظيم من الشهداء والقدّيسين في لبنان، يحرس الله بلادنا وشبابنا من الأضرار،
ويعيد إلينا وإلى لبنان الجميل، أيّام السلام والأمان.
آمين.

صلاة إلى مار سركيس وباخوس :
   أيّها القدّيسان الشهيدان، مار سركيس وباخوس، يا من عرفتما الديانة المسيحيّة، بنعمة من الله، فآمنتما بالمسيح. وكنتما وأنتما القائدان
في الجيش الروماني، تصلّيان إلى المسيح، بينما رفاقكما يعبدون الأصنام. ولمّا وُشي بكما بأنكما مسيحيّان، وطُلب منكما أن تُنكرا المسيح
وتقدّما السجود والذبيحة للأصنام، رفضّتما وأعلنتما أنكما للمسيح وحده تسجدان، فمتّما من أجله شهيدَين.
   أيّها القدّيسان الشهيدان، كما عشتما رفيقين متحابّين ومتّما معًا شهيدَين. نسألكما أن تشفعا لنا إلى الربّ فيُنعم علينا بأن نعيش في هذه
الحياة محافظين على الأخوّة والصداقة، بإخلاص وطهارة، ثابتين على الأمانة حتّى الموت.
كونا لنا مثالاً في الطاعة والشجاعة، وعلّمانا أن نتوق إلى السماء نظيركما. وكما أحببتما المسيح وشهدتما له بجرأة أمام الملوك والحكّام،
وبذلتما حياتكما حبًّا به، هكذا التمسا لنا أن نحبّ المسيح ونشهد له بكلامنا وأعمالنا أمام الجميع.
وإذا أعطي لنا أن نموت شهداء في سبيل المسيح، فاعضدانا في تلك الساعة لنستحقّ الشهادة.
 كانت ذخائركما، على تعاقب الأجيال، منبتًا للمعجزات، في الشرق، فجدّدا المعجزات، في هذا الجيل، لنشعر بقوّة الشهداء ونعمة المسيح.
جدّدا أيّها الشهيدان الخالدان، شعبنا المسيحيّ، في هذا الشرق، وازرعا في قلبه بذور الإيمان.
وكما كان دمكما المسفوك على الفرات عربون عهد جديد وسلام جديد للكنيسة كلّها، كذلك فليكن دمّكما، للكنيسة اليوم، بذارًا جديدًا، لشعب
جديد، بإيمان جديد، وسلام جديد.
آمين.
:Mankoll: 
من كتاب :          
مار سركيس و مار باخوس

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.fairouzehfriends.com/contact.forum
G-Malky



الجنس : ذكر
المشاركات : 168
العـمر : 32
الإقامة : السويد
العـمل : جيد
المزاج : عسل
السٌّمعَة : 2
التسجيل : 27/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: تذكار مار سركيس وباخوس   الإثنين أكتوبر 07, 2013 11:08 am

«وكلتُ أمري إلى الله، فمال إليّ وسمع صلاتي.
واصعدني من جبّ الضلال الفاسد،
ومن قذارة عبادة الأصنام الوثنيّة.
ثبَّتَ رجليّ على صخرة الإيمان،
وهدى خطواتي إلى المعتقد الصحيح»
وعندما دخل إلى بلدة مجدل ميّا قال له أنطيوخس:
«إنّي أعجب منك يا سركيس،
كيف قدرتَ أن تتحمّل هذه الآلام والتجارب الصعبة،
بعد أن كنتَ تنعم بتلك العظمة والملذّات!»
فأجابه سركيس بفرح:
«يا صاحبي أنطيوخس،
إنّ هذه الآلام والعذابات في سبيل المسيح ليست مرّة عليّ،
بل إنّها أحلى وأعذب من شهد العسل»

vthank
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تذكار مار سركيس وباخوس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 000{ القسم الديني }000 :: أصــدقاء الصور الدينية-
انتقل الى: