الرئيسيةالبوابةبحـثأرسل مقالس .و .جالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 كتاب ادانة الآخرين - البابا شنودة الثالث

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عاشقة الروح

avatar

الجنس : انثى
المشاركات : 690
العـمر : 28
الإقامة : لبنان موقتا
العـمل : علم
المزاج : جيد
السٌّمعَة : 10
التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: كتاب ادانة الآخرين - البابا شنودة الثالث    الخميس يوليو 12, 2012 2:25 pm


كتاب ادانة الآخرين
إسم الكتاب : الحروب الروحية –4- إدانه الآخرين .
إسم المؤلف : البابا شنودة الثالث .
الطبعه : الثانية : يناير 1990
المطبعة : النبا رويس ( الأوفست ) – العباسية – القاهرة .
رقم الإيداع بدار الكتب : 4784/ 87
قصة هذا الكتاب :
أصل هذا الكتاب يرجع إلي محاضرتين ألقيتهما سنه 1965 في القاعه المرقسية بدير النبا رويس بالقاهرة عن إدانه الآخرين وأقوةل الآباء فيها .
وتحدثت في هذا الموضوع أيضاً في محاضرتين اخريين القيتهمتا في الكاتدرائية المرقسية الكبري في 21/3/69 ،
28/3/69 . ثم تعرضت لهذا الموضوع مرة أخري ، خلال هذا العام (1987 )، وأنا في مجال تفسير وشرح العظة علي الجبل ، في ( متي 7: 1-5 ) , كما ألقيت محاضرتين عن الإدانه في الكنيسة الكبري بالاسكندرية في يونيو 1987 .
ومن هذا المزيج كله ، خرج هذا الكتاب الذي بين يديك .
أقدمه لك باعتبارة الجزء الرابع من ( سلسله الحروب اتلروحية ) . وقد صدر الجزء الثالث منذ شهرين عن الغضب ) .
وأن شاء الله حينما يصدر الجزء الثاني من كتاب ( تأملات في العظة علي الجبل ) سنعرض لهذه النقطة باختصار . ومن يريد التوسع ، فليرجع إلي هذا الكتاب .
قال السيد المسيح " لا تدينوا لكي لا تدانوا . لأنكم بالدينونة التي بها تدينون ، تدانون .." ( متي 7: 1) .
وقال القديس بولس الرسول " من أنت الذي تدين عبد غيرك ؟‍ هو لمولاه يثبت أو يسقط ..." ( رو 14: 4) . وكرر القديس يعقوب الرسول نفس السؤال تقريباً ، فقال " من أنت يامن تدين غيرك "( يع 4: 12 ) . وقال أيضاً لا يذم بعضكم بعضاً أيها الأخوة . الذي يذم أخاه ويدين أخاه ، يذم الناموس ويدين الناموس ..." ( يع 4: 11)
فإلي أي مدي ، وبأي تفسير ، نفهم معني إدانه الآخرين ؟
هل هي وصية نفهمها بمعني مطلق ، بحيث لا يمكن أن نذكر كلمه سوء عنة إنسان ، مهما كالنت الظروف ، ومهما كان الشخص الخاطئ ؟ وهل الإدانه خاطئة في جميع الحالات ؟ أم أن هناك حالات تجوز فيها الإدانه أو تجب ؟وأن كان كذلك ، فمتي تجوز الإدانه ؟ ولمن ؟
بل متي تكون الإداتنه واجبة ؟
ومتي نخطئ إن كنا ندين غيرنا ؟
هذا ما نود أن نجيب عنه الآن

1/ المسئولية والرعاية
تجوز الإدانه حينما تصدر من مسئول أو صاحب سلطان
هناك أشخاص أقامهم الله بسلطان علي غيرهم . من حقهم أن يدينوا من هم تحت سلطانهم ، ولا تنطبق عليهم الآيه التي تقول " لاتدينوا لكي لا تدانوا "..
وهؤلاء ليس من حقهم فقط أن يدينوا ، بل من واجبهم ...بحيث أنهم يخطئون أن لم يدينوا من هم تحت سلطانهم .
من أمثلة هؤلاء : الأب والأم . وقد ائتمن الله الآباء والأمهات علي تربية أولادهم . ومن حقهم أن يوبخوا أبناءهم علي أخطائهم . وأن يقولوا للإبن " إن تصرفك هذا خاطئ ، وينبغي أن تتركه ". وإن لم يتركه قد يأخذ منهم عقوبة .
لاشك إنها إدانه ، ولكنها ليست خطية إدانة .
لأنها صادرة من شخص صرح له الله أن يدين ، بل أمره بذلك ، كجزء من تربية لإبنه . بل إن الأب الذي يقصر في تربية إبنه ، ويهمل في تنشئته وتوجيهه ، ولا يدينه ويوبخه علي أخطائه ، هذا الأب يعاقبه الله ...
ومثال ذلك العقوبة التي أوقعها الله علي عالي الكاهن .
كان أولاده يخطئون ... وسمع عالي الكاهن بذلك ، وأدانهم ، ولكن ليس بحزم ! قال لهم : " لماذا تعلمون مثل هذه الأمور ؟ لأني أسمع بأموركم الخبيثة من جميع هذا الشعب . لا يابني ، لأنه ليس حسناً الخبر الذي اسمع .." "ولم يسمعوا لصوت أبيهم " (1صم 2: 22-25) . وغضب الرب لأن عالي الكاهن تراخي في إدانة أولاده ، فقال " هوذا أنا فاعل أمراً في أسرائيل ، كل من سمع به تطز أذناه . في ذلك اليوم أقيم علي عالي كل ما تكلمت به علي بيته ... وقد أخبرته بأني اقضي علي بيته إلي الأبد ، من أجل الشر الذي يعلم أن بنيه قد أوجبوا اللعنه علي أنفسهم ، ولم يردعهم "( 1صم3 :11-14)
إذن الإدانه هنا واجب ملزم ، من يقصر فيه يعرض نفسه للعقوبة .
ليس فقط أن يدين الأب أولاده أن أخطاوا . بل أكثر من هذا أن " يردعهم ". أي أن يمنعهم - بسلطان – من ارتكاب الخطأ ، ومن الأستمرار فيه ... وما أكثر الوصايا التي أعطاها الله للآباء والأمهات لتأديب أولادهم . ومعها وصايا أخري للأبناء أن يطيعوا آباءهم في الرب ، لأن هذا حق (أف 6: 1) .
وما نقوله عن الأب الجسدي ، نقوله أيضاً عن الأب الروحي ، وعن الراعي عموماً ...
ومن هنا أعطي الله للآباء الكهنة ، وللرعاه ، وللأنبياء ، واجباً هو انذار الخطاة وإدانتهم . فقال " يا ابن آدم ، قد جعلتك رقيباً ... فاسمع الكلمه من فمي ، وانذرهم من قبلي . إذا قلت للشرير موتاً تموت ، وما أنذرته أنت ، ولا تكلمت إنذاراً للشرير من طريقة الرديئة لإحيائه ، فهذا الشرير يموت بإثمه ، أما دمه فمن يدك اطلبه "( حز 3: 17 ، 18) .
إذن إنذار الخطاة وتوبيخهم وردعهم وإدانتهم وإدانة طريقهم للشرير ، ليست مجرد حق للآباء والرعاه ، بل كل ذلك واجب عليهم ، يدانون إن لم يقوموا به . ولكنهم يخلصون من الدينونه ، إن هم أدانوا هؤلاء الخطاة ، وانذروهم من جهه نتيجه شر أفعالهم . وهكذا يكمل الرب وصيته فيقول " وإن أنت أنذرت الشرير ، ولم يرجع عن شره ولا عن طريقه الرديئة ، فإنه يموت بإثمه . أما أنت فقد نجيت نفسك "( حز 3: 19) .
ونفس الكلام نقوله عن المدرس مع تلاميذه ، ورئيس العمال مع مرؤوسيه وأيضاً عن القاضي بالنسبه إلي المتهمين .
كل هؤلاء لهم الحق أن يدينوا من هم تحت سلطانهم ، في نطاق اختصاصاتهم لا يتعدونها ، وفي حدود الواجب المناط بهم ، وفي مجال عملهم ومسئوليتهم . وفي الالتزام بالحق والعدل فإن قال المدرس لتلميذه إنه مهمل في أداء واجباته الدراسية ، وإن قال رئيس العمل لأحد عماله إنه غير أمين في عمله . وإن قال القاضي إن هذا المتهم مذنب ، ولا يكون أحد من هؤلاء قد خالف وصية " لا تدينوا لكي لا تدانوا " .
وأن سمع قول الرسول " من أنت يا من تدين غيرك "( يع 4: 12 ) ، يجيب " أنا المسئول عنه وعن عمله ".
إنه يدين ، وبسلطان . وفي عمله إدانه ، ولكنها ليست خطية إدانه . لأن الإدانه هنا من حقه ، بل هي من واجبه . وإن قصر واحد من كل هذه الفئات في أدانة من هم تحت سلطانه ، يرتبك العمل ، ويفسد المجتمع ، وتسود اللامبالاة .
لذلك إن اجتمع كونسولتو أطباء لفحص مريض ، وتشاوروا
في تشخيص مرضه . فقال أحدهم إنه يشكو من كذا ، وقال أخر إنه مريض بكذا وقال ثالث إنه مصاب بكذا ... فهنا القصد التوصل إلي شفاء المريض ، وليس القصد هو إساءه سمعته أو التشنيع به ... ولعل مما يشبه هذا تماماً ما ورد في نسكيات باسيليوس ):
سئل القديس باسيليوس الكبير عن الأدانه ، فاقل : إذا كان المقامون علي الأخوة يبحثون حالة أخ في المجمع ، وتعرضوا لأخطائه وماذا يعمل لأجل تقويمه ، ولأجل سلامه المجمع من نتائج هذه الأخطاء ،فلا تكون هذه خطية إدانه ... بشرط أن يفحصوا أخطاءه " في خوف الله ".
وهذا الحق في الإدانه ، أعطاه الرب للكنيسة :
فكما أعطاها سلطاناً أن تحل ، أعطاها أيضاً سلطاناً أن تربط ( متي 18: 18) . وأعطاها أن تفصل في الخصومات . ومن لم يسمع لها فيما تحكم به ، يكون كالوثني والعشار ( متي 18: 17) . فإن قالت الكنيسة لشخص إنه مخطئ ، لا تكون قد وقعت في خطية إدانه ، بل تكون قد أدانته بحق وبسلطان . يوحنا المعمدان أدان الخطاه ووبخهم ( مت 3: 7) . وبولس وبخ كثيرين منهم " الغلاطيون الأغبياء "( غل 3: 1) . وأمر تلميذه تيموثاوس الأسقف ان يوبخ وينتهر ويعظ (2تي 4: 2) . وقال له أيضاً " الذين يخطئون ، وبخهم أمام الجميع لكي يكون عند الباقين خوف "( 1 تي 5: 20 ) . بولس الرسول أدان خاطئ كورنثوس ( 1كو 5: 5 ) ، ووبخ أهل كورنثوس علي أنهم لم يعزلوا الخبيث من بينهم ( 1 كو 5 :13 ) . وبطرس الرسول أدان حنانيا وسفيرا وحكم عليهما ، بعد أن وصفهما بالكذب ، وبالاتفاق علي تجربة روح الرب (أع 5: 3-9) .
ولعلك تقول " انا لست رسولاً ولا نبياً "... لك حق . إذن اعمل في حدود السلطان الذي وهب لك من الله ، إن كنت صاحب سلطان
اعمل في حدود مسئوليتك ، مهما كانت ضيقة ... علي أن يكون ذلك بأسلوب روحي ، كما سنشرح فيما سيأتي ...
2/التمييز الطبيعي
أحياناً تكون الإدانه شيئاً طبيعياً ، مجرد تمييز للخطأ أو الشر
فأنت مثلاً إن سمعت إنساناً يشتم ، لا تستطيع أن تمنع نفسك من أدراك أن هذه شتيمه . وبالمثل إن رأيت رجلاً في ثورة غضب وقد فقد أعصابة ، وهكذا إن رأيت إمرأه في ملابس متبرجة غير لائقة . وبالمثل إذا سمعت إنساناً يحلف بأقسام مغلظة ، او سمعت إنساناً يغني أغاني عالمية ، أو يقول فكاهات ردئية جداً من الناحية الأخلاقية ، هل استطيع أن أمنع نفسي من إدانه ما أسمعه ؟! هناك إذن إدانه تلقائية بحكم الضمير ...ينبغي أن نفهم الروحيات بطريقة سليمة بعيده عن الوسوسة
فعدم الإدانه ليس معناه أن أفقد الحكم الطبيعي علي الأمور . فقد وهب الله للإنسان ضميراً يميز به بين الخير والشر . وليس من صالح الإنسان أن يفقد التمييز
إنه نور طبيعي يستطيع به أن يحكم علي أعماله ، كما يحكم به علي أعمال غيره مع فارق سنذكره فيما بعد .. وإن فقد الإنسان هذا التمييز سوف تختل أمامه القيم والمبادئ ، ولا يدري ما يجب أن يكون ، وما لا يجب .. وهكذا قال السيد الرب مرتين في العظة علي الجبل :
" من ثمارهم تعرفونهم "( متي 7: 16، 20 ) .
وشرح ذلك فقال " هل يجتنون من الشوك عنباً ، أو من الحسك تيناً ؟! هكذا كل شجرة جيده تصنع ثماراً جيده تصنع ثماراً جيده . واما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية . لا تقدر شجره جيده أن تصنع أثماراً ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيده إذن من ثمارهم تعرفونهم "( متي 7: 16-20 ) . فهل إذا رأينا الشوك فعرفنا أنه شوك ، وأن رأينا الثمر الردئ فعرفنا أنه ثمر ردئ ، أنكون آنئذ واقعين في إدانه الاخرين ؟! كلا بلا شك ...
يقول القديس أوغسطينوس في تفسير هذه الآية ( متي 7:7) .
هناك شجرة تعطي ثماراً ردية ، وشجرة تعطي ثماراً جيده . ولا يمكن أبداً لإنسان أن يخدع نفسه ، ويقول عن الردئ إنه جيد ، ولا عن الجيد إنه ردئ فمما لاشك فيه أن بعض الأمور واضحة جداً ، لا نستطيع أن نخدع انفسنا فيها ...ولعله من أجل هذا التمييز قال القديس بولس الرسول :
خطايا بعض الناس واضحه تتقدم إلي القضاء (1تي 5: 24 )
هذه الخطاياة الواضحة لا ذنب لك إن أدركتها : من الطبيعي أنك سوف تشعر أن هناك خطأ يتقدم إلي القضاء . وفي نطاق هذا المستوي لا تكون قد أخطأت . إنما توجد ملاحظة لابد أن نقدرها وهي :
هناك فرق بين إدانه العمل وغدانه الشخص : فإن رأيت شخصاً سكراناً يتطوح في الطريق ، لا تستطيع أن تمنع نفسك من أن هذا خطأ . العمل خطأ ، او الحادث أمامك خطأ . ولكن الشخص نفسه لا تستطيع أن تدينه ، إلا إذا عرفت ظروفه .. ربما هناك من خدعة واسكره . ربما شرب عن طريق الخطأ . وربما العكس . من يدري ؟؟!
إذن التمييز شئ والحكم علي الشخص شئ آخر .
كوني أسمع الشتيمة فأعرف أنها شتيمه هذا تمييز .أما ان أسمعها ، فأقيم في ذهني محكمة لصاحبها ، وأقول إنه كذا و كذا ، ويستحق ... ويستحق .... فهنا يصبح الأمر إدانة ، لأنه انتقل من تمييز العمل و الحكم التلقائي للضمير إلي الحكم علي الشخص نفسه . وإذا اخذت قصه هذا الإنسان موضوعاً لحكاياتي وأحاديثي ع الناس . لا أقول حينئذ إنه مجرد تمييز طبيعي ، او حكم تلقائي من الضمير . بل هنا اكون قد تطورت من إدانه الشخص إلي التشهير به . ولا شك أن كلاً منهما خطيئة
ومن جهة الخطايا الواضحة ،توجد أمور تبدو واضحه ، وهي علي عكس ذلك ...
فإن رأيت شخصاً في الصوم يشرب كوباً من اللبن ، وقلت : هذا الإنسان محب للأكل وكاسر للصوم ولا شك أن هذه خطية واضحه تقدمه إلي القضاء !! ( 1 تي 5 : 4 ) ... فربما تكون مخطئاً في حكمك . وقد يكون هذا الشخص مريضاً بقرحة في المعدة أو مرض آخر ، ويحتاج إلي اللبن كدواء . وقد وافق علي أوامر الأطباء متغضباً من اجل صحته ... ولا يمكن أن يحكم عليه بأنه محب للطعام وكاسر للصوم
وقد علق القديس علي موضوع الكل هذا فقال :
أن كل أنواع الطعام البشري يمكن أن تؤخذ بنيه صالحة .. وبدون شهوة تمييز . وتذكر في ذلك قول القديس بولس الرسول
لا يزدر من يأكل بمن لا يأكل . ولايدن من لا يأكل من يأكل ، لأن الله قبله "( رو 14 : 3 ) .
ويكمل القديس بولس الرسول كلامه فيقول " من أنت الذي تدين عبد غيرك ؟! هو لمولاه يثبت أو يسقط . ولكنه سيثبت ، لأن الله قادر أن يثبته "( رو 14 : 4 ).أمثال هذه الأمور ليس من حق إنسان أن يحكم فيها . وهي ليست من الخطايا الواضحه التي تتقدم إلي القضاء . الخطايا الواضحة هي مثل الزني و الشرقة والاعتداء وأنواع النجاسات .
أما الأمور التي تتوقف علي النية والقصد ، فليس من حقنا أن نحكم عليها . الله وحده هو العارف بالنيات .
الله وحده هو فاحص القلوب ، وهو الذي يعرف القصد و الدافع . ويستطيع أن يحكم أن كان هذا العمل صالحاً أم طالحاً ، مما لا تتوفر لنا معرفته .
نقطة أخري نضيفها إلي عنصر التمييز وهي :
3/ مفهوم وصايا كتباية
وصايا وآيات تحمل الإدانة :
فهناك وصيه في الكتاب تقول لك " لا تستصحب غضوباً ، ومع رجل ساخط لا تجئ "( أم 22 : 24 ) . فكيف يمكن ان تنفذ الوصية وتبعد عن صحبة الغضوبين ، إلا لم أدركت أن هذا الإنسان بالذات هو رجل غضوب ؟! فهل هذه إدانه ؟ كلا ، بل هي لون من التمييز ، تماماً كما تميز حفره حتي لا تقع فيها . ومثله قول الكتاب " المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة " ( 1 كو 15 : 23 ) . فكيف تبعد عن هذه المعاشرات ، إلا لو عرفت تماماً إنها ردية ؟ فهل هذه المعرفة إدانه ؟ كلا ، طبعاً ... وبنفس المنطق نتكلم عن الوصية التي يحملها المزمور الأول " طوبي للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار ، وفي طريق الخطاة لم يقف ، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس "
كيف يبعد عن هؤلاء الأشرار والخطاة والمستهزئين ، أن لم يعرف انهم كذلك ؟ فهل هذه المعرفه خطية إدانه ؟ كلا ، بلا شك . مادام الأمر قد اقتصر علي المعرفة و البعد . وحتي لو تدرج الأمر إلي نصح أصدقائك ومعارفك وأقربائك وتلاميذك في البعد عن هؤلاء لا تكون أيضاًً قد أخطأت .
أتتركهم يسقطون في حفرة وتقول " لا أريد أن أدين الحفرة "؟!
هوذا الرسول يقول " نوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب ، وليس حسب التعليم الذي أخذه منا "(2 تس 3: 6 ) . فكيف تتجنب مثل هذا الأخ ، إلا لو عرفت تماماً أنه " يسلك بلا ترتيب " . فهل هذه المعرفة خطية إدانه ؟! كلا ، لأن خطايا بعض الناس واضحه
وبالمثل الوصايا الخاصة بالبعد عن المعثرات :
من المفروض أن يبعد عن العثرات كل إنسان روحي . ولكي يبعد عنها ، لابد أن يعرف أنها عثرات . وليست في هذه المغرفة خطية إدانه . بل أن السيد المسيح يقول " إن كانت عينك اليمني تعثرك ، فاقلعها والقها عنك ..." ( متي 5: 29 ). إن يوسف الصديق قد تعرض لإحدى هذه العثرات ، فقال :
كيف أصنع هذا الشر العظيم واخطئ إلي الله ؟! ( تك 39: 9 )
وهنا نري أن يوسف قد أدان هذا العمل ، ووصفه بأنه شر عظيم وأنه خطأ نحو الله . ومع ذلك لم يدن المرأة الثانية ، ولم يصفها بأية عبارة جارحة . إذن إدانه العمل من حقنا . وهو نوع من التمييز الطبيعي لا خطأ فيه ، ولا داعي للتعرض للأشخاص . والوصايا الخاصة بالبعد عن العثرات مع إدانتها ، ليست هي خاصة بالسلوكيات فقط ، إنما أيضاً هناك العثرات الخاصة بالإيمان والتعليم و العقيده وهذا يقودنا إلي نقطة هامة وهي
4 /أدانة الهرطقات والبدع
يقول القديس يوحنا الرسول ، وهو من أشهر الرسل بالمحبة :" إن كان أحد يأتيكم ولا يجئ بهذا التعليم ، فلا تقلبوه في البيت ولا تقولوا له سلام . لأن من يسلم عليه يشترك في أعماله الشريرة "(2يو10 ، 11) . فهل الذي يرفض المبتدعين ولا يقبلهم ولا يسلم عليهم ، يكون قد وقع في خطية إدانة ؟ محال أن يكون هذا . بل أنه يقع خطية إن كان يسلم عليهم ....والسيد المسيح يقول " لا تعطوا القدس للكلاب ، ولا تلقوا درركم قدام الخنازير ، لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم " ( متي 7: 6 ) . فكيف نفعل هكذا ، إن لم نعرف أنهم كذلك . وهذه المعرفه ليست خطية ، لأنه بدونها لا يتم تنفيذ الوصية وبالمثل أيضاً يقول الرب :
" احترزوا من الأنبياء الكذبة ، الذين يأتونكم بثياب الحملان ، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة "( متي 7: 15 ) .
فالاحتراس من الكذبة – وإن كان يحمل إدانه لهم ولكذبهم – إلا أنه ليس خطية إدانه ، لان الإنسان الروحي ينبغي أن يكون حريصاً ، مميزاً للأرواح حسب وصية الرسول (1 يو 4: 1 ) . فالاحتراس من الأشرار ليس خطية . ومعرفة أنهم يأتون بثياب الحملان وهم ذئاب خاطفة ، ليس فيه خطأ ، بل فيه حكمة .
ليست الروحيات أن تسير مغمض العينين ، حتي لا تبصر ولا تدرك حيل الذئاب الخاطفة ؟!
فالكتاب يقول " الحكيم عيناه في رأسه ، والجاهل يسلك في الظلام "( جا 2 : 14 ). فهل السلوك في الظلام فضيلة ؟ كلا . نحن لا نريدك أن تلعن الظلام إنما يكفي أن تميزه ، وتبعد عنه ، وتسلك في النور . وقد وضح السيد المسيح أن التمييز بين النور و الظلمه أمر سهل ، فقال " من ثمارهم تعرفونهم "( متي 7: 16 ) .
نقطة أخري نقولها في" الإدانه غير المخطئة " وهي :
5- النصح والهداية والتوبيخ
يقول الرسول " أن ضل أحد بينكم عن الحق ، فرده آخر ، فليعلم أ، من رد خاطئاً عن ضلال طريقة ، يخلص نفساً من الموت ، ويستر كثرة من الخطايا "( يع 5 : 19 ، 20 ) . فهل معرفتك أن أحد قد ضل عن الحق ، هي إدانه له ؟ كلا طبعاً ، مادامت تريد رده عن ضلاله طريقه ، ولست تقصد التشهير به ...
ونحن لا نهدي الخطاة ، إلا إذا عرفنا أنهم خطاه .
تماماً مثلما يعرف الطبيب نوع المريض ، لكي يصف طريقة علاجه . هكذا إذا درسنا الأخطاء التي يتقاسي منها فرد أو مجموعة ، أو حتي كنيسة بأسرها ، لا نكون قد وقعنا في خطية إدانه ، مادام الهدف هو الإصلاح وليس الإساءة إلي سمعة الغير ...
والآيات الخاصة بالنصح وهداية الآخرين كثيرة جداًًًً ... والنصح و الهداية قد يحملان التوبيخ أحياناً . ولا يحمل هذا التوبيخ خطية إدانة . وفي هذا يقول الكتاب :
" لا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة ، بل بالحري وبخوها " ( أف 5: 11 ) . فليست معرفتنا أنها أعمال ظلمه خطية إدانه . بل ان تبكيتنا لهذه الأعمال هو فضيلة لأنه تنفيذ للوصية .
بل ان تبكيتنا لهذه الأعمال هو فضيلة ، لأنه تنفيذ للوصية . علي أننا نرجوا أن نرجع إلي هذه النقطة فيما بعد ، لنعرف الكيفية السليمة لتنفيذ هذه الوصية.
وتدخل في مجال هذا التبكيت ، ما يلزم لأعمال الرعاية .
حسبما قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف " وبخ ، انتهر ، عظ ، بكل أناه وتعليم "( 2 تي 4: 2 ) .
وإن كانت الإدانة في أسلوب النصح و التوبيخ ، ينبغي أن يعرف الإنسان كيف تكون :
ومثال ذلك ابيجايل التي وبخت داود النبي ، ومنعته من اتيان الدماء والانتقام لنفسه ، باسلوب كله حكمة ، بدأته بالخضوع و بالمديح ، ثم مسكت المشكلة بطريقة غير جارحة ، لم تخدش بها شعور داود . بل صارحته ولكن في أدب وفي تواضع ... ( 1 صم 25 ) . في كل نصيحتها له ، كانت تقول " ياسيدي " وتقول عن نفسها " أمتك " " جاريتك " ... بدأت لقاءها معه بأن قدمت له ما كان يطلبه من الأطعمة، وسجدت له وأعتزرت عن خطأ زوجها ،وقالت " علي انا يا سيدي هذا الذنب ، ودع أمتك تتكلم في أذنيك ، واسمع كلام أمتك ". والعطايا التي قدمتها له لم تجرحه بها ، بل قالت " والآن هذه البركة التي أتت بها جاريتك إلي سيدي ، فلتعط للغلمان السائرين وراء سيدي ، واصفح عن ذنب أمتك "
وبعد كل هذا المديح واسلوب الإتضاع مست أبيجايل خطأ داود مقدمه له بمديح آخر ، فقالت :
" سيدي يحارب حروب الرب ، ولم يوجد فيك شر كل أيامك " " لتكن نفس سيدي محزومة في حزمة الحياة مع الرب إلهك .." . وهنا دخلت في توبيخه علي نقطة الضعف فقالت " ويكون عندما يصنع الرب لسيدي حسب كل ما تكلم به من الخير من أجلك ، ويقيمك رئيساً علي اسرائيل ، ، أنه لا تكون لك هذه مصدمه ومعثرة قلب لسيدي ، أنك قد سفكت دماً عفواً ، أو أن سيدي قد انتقم لنفسه ". نبهته إلي أنه مقدم علي الأنتقام لنفسه ، وعلي سفك دم بلا سبب يستدعي ذلك ، ونصحته بالابتعاد عن هذا ، حتي لايصبح هذا الأمر معثرة قلب له فيما بعد ....
وهذا النصح المؤدب ، و التوبيخ الضمني ، قبله منها داود وشكرها عليه ...
وقال لها " ... مبارك عقلك ، ومباركة أنت ، لأنك منعتني اليوم عن اتيان الدماء وانتقام يدي لنفسي "( 1 صم 25 : 32 ) . وتقبل منها عطيتها ، وصرفها بسلام ، ورفع وجهها ولم يقم بايذاء زوجها المخطي إليه ، مستمعاً لنصيحتها . حقاً ما أجمل النصح ، إن كان بلياقه وأدب . وهنا يسرنا أن نضع قواعد للنصح وللتبكيت :
1- قد يكون من حقك أو من واجبك أن تنصح أو توبخ . ولكن ليكن هذا النصح بأدب وباتضاع وبمحبة . أن التوبيخ بروح الكبرياء و التعالي أو بأسلوب الاحتقار والاستصغار ، ولا يمكن أن يكون مقبولاً . أما إذا نصحت إنساناً أو وبخته وأنت تقول له :
" أنت تعرف يا( فلان ) مقدار محبتي لك ، ومقدار حرصي علي سمعتك لذلك انا غير مستريح اطلاقاً لتصرفك ( الفلاني ) . وأشعر أنه سيضرك ويسئ إليك ، وربما يتخذه أعداؤك فرصه ليقولوا عنك إنك .. وإنك .. لذلك ابعد عن هذا الأمر وحاول أن تصحح ما فعلته بكذا وكذا ... ". هذا الكلام مقبول . بعكس إنسان آخر يقابل شخصاً فيقول له " كيف تفعل كذا ؟ كيف سمح لك ضميرك ؟ هل هذه تصرفات إنسان عاقل ؟! هل هذه تصرفات إنسان يحترم نفسه ؟ ! إنك كذا و كذا وكذا " ويصب عليه سيلاً من الألفاظ الجارحه تشعره أنه أمام عدو ...!
لذلك إن كلمت إنساناً من أجل خلاص نفسه ، فغضب ولم يقبل منك راجع نفسك : ربما نصيحتك له كانت خاليه من المحبة أو من الأتضاع ومن الجائز أن نفس النصيحة يقدمها له خادم آخر ، ولكن بأسلوب مقبول يستريح له ويشكره عليه . لذلك حسناً قال الكتاب " رايح النفوس حكيم " ( أم 11: 30 ) . لذلك إن قلنا إنه من أبواب الإدانه غير الخاطئة : النصح و الهداية ... إنما نقصد النصح الحكيم ، المملوء حباً واتضاعاً ... ولا نقصد كل نصح مهما كان أسلوبة
فحسب نوعية الأسلوب يصير النصح خطأ أو صواباًً . وحسب نوعية الأسلوب ، يدخل النصح والتوبيخ في نطاق الإدانه غير الخاطئة . إنك تستطيع أن تدرك تماماً أن كان الذي يوبخك هو مشفق عليك ، أم هو يحترقك ويزدريك . روحه في الحديث ، ولهجته ، وألفاظه ومشاعره ، هي التي تترك في نفسك أثراً . ربما أكثر من موضوعيه التوبيخ ...
2- كذلك ينبغي أن يكون التبكيت بحق ، وليس ظلماً :
ولعلنا نذكر مثلاً للتبكيت الظالم ، موقف عالي الكاهن من حنة زوجة القانه . كانت عاقراً لا تنجب . وكان لضرتها فننة أولاد ، فكانت تلك تغيظها . وذهبت حنة إلي هيكل الرب , وسكبت نفسها أمامه . كانت تصلي وهي مرة النفس ، وقد بكت بكاء ، ونذرات نذراً أن إعطاها الرب نسلاً أن تقدمه نذيراً للرب يخدمه كل أيام حياته . كانت تكلم الرب في قلبها ، وصوتها لم يسمع ، وشفتاها فقط تتحركان ، حتي أن عالي الكاهن ظنها سكري ، ووجد من واجبه أن يوبخها !! فقال لها " حتي متي تسكرين ؟ انزعي خمرك عنك "( 1 صم 1: 9: 14 ) .
إنه كاهن ، وله سلطان ، وهو إنسان مسئول ، ومن حقه أن يوبخ وان يدين . ولكنه في هذا الموقف كان مخطئاً .
لم يكن يوبخ عن حق . بل كان ظالماً في إدانته ، ظالماً في حكمه عليها قاسياً وجارحاً في أسلوبه . ومع أن حنه أجابته في أدب شديد يليق باحترام كهنوته . ولكنه مع ذلك كان مخطئاً . ومع أنه دعا لها بالخير إلا أنه لم يعتذر لها عن سابق كلامه ...
لذلك يجب ان يسبق التوبيخ الفحص والتدقيق :
ولا يجوز أن يوزع إنسان توبيخاته عفواً بدون أن يتأكد من صحه الخطأ ...! إنما أن وثق تماماً أن ما يزمع أن يبكت عليه هو من " أعمال الظلمة غير المثمرة " حينئذ تنطبق وصية " بل بالحري بكتوها "

3- كذلك لا يجوز التبكيت لنفس مرة معذبة .
لقد وقع في هذه الخطيئة أصحاب أيوب الثلاثة ، وجرحوه أكثر من مرة ، وهو مر النفس ، حتي أثارروه باتهاماتهم وتوبيخاتهم – وكانت ظالماً – فقال لهم أيوب " حتي متي تعذبون نفسي وتسحقوني بالكلام ؟ هذه عشر مرات أخزيتموني . لم تخجلوا أن تحكروني " " تراءفوا تراءفوا أنتم علي يا أصحابي ، لأن يد القدير قد مستني "( أي 19 : 2،3،21 ) .. وقال لهم عبارته المؤثرة " أنا أيضاً استطيع أن أتكلم مثلكم ، لو كانت أنفسكم مكان نفسي . وأن أسرد عليكم أقوالاً "( أي 16: 4 ) .
الإنسان المر النفس يحتاج إلي كلمه تعزية ، وليس إلي كلمه توبيخ ونصائح وإدانه !
فإن وجدت إنساناً مر النفس ، مهما كان مخطئاً ، لا تسمح لنفسك أن توبخه ، لئلا يبدو توبيخك لوناً من الشماته . قل له كلمة طيبة ، كلمة تعزية . فالتوبيخ ليس الآن وقته ، وهو حالياً لا يحتمله . يكفيه ما هو فيه . واسمع قول الحكيم " لكل شئ زمان ، ولكل أمر تحت السماوات وقت " ( جا 3: 1) . وهنا نقول الملاحظة التالية :
4- النصح و التوبيخ لا يصلحان إلا في وقتها المناسب :
وهنا تخطر علي بال قصة طريفه وهي : قيل أن صبياً نزل إلي البحر يستحم وكان المكان خطراً فيه دوامات جذبت الطفل ، فكاد يغرق وصاح يطلب النجدة فمر عليه رجل ورآه في هذه الحال . فقال له " ياولد .. كيف أن تستحم في البحر ، وأنت لا تتقن السباحه ؟ وكيف بلغ بك الجهل أن تستحم في هذه المنطقة الخطر ؟ وكيف ...؟ فقال له الصبي " انقذني يا سيدي الآن . ثم وبخني بعد ذلك ..." حقاً تمر أوقات علي الخطاة ، يحتاجون فيها إلي من ينقذهم ، وليس إلي من يوبخهم ...
إن للتوبيخ وقتاً ، ربما لا يكون الأول في الترتيب . قد تبدأ أولاً بالحب وبالمعونه . وبكل عوالم الانقاذ ، وتؤجل التوبيخ إلي حين آخر . وقد يكون الخاطئ في حالة من الندم الشديد ، وقد بكت نفسه بتبكيت مر شديد ، لا يحتاج فيه إلي مزيد . تأمل الآب الحنون في قصة الابن الضال . إنه لم يبكت هذا الابن بعبارة واحدة بل رآه من بعيد فتحنن وركض ووقع علي عنقه وقبله ، وألبسه الحلة الأولى ، وذبح له العجل المسمن ... ( لو 15 : 17 – 23 ) ... كان ذلك وقت فرح . ولم يكن وقت تبكيت ...
إن النصح و التبكيت قد يدخلان في نطاق الإدانه غير الخاطئة ، ولكن بشروط ...
هي ما ذكرناه .. وبغير ذلك قد يتغير الأمر ، ويتحول التبكيت إلي جرح وإهانة وإدانه ، وربما يأتي بنتائج عكسية . نقطة أخري نقولها في شروط النصح و التبكيت وهي :
5- أحياناً يصلح تبكيت الخاطئ ، إن كان ذلك " فيما بينك وبينه وحدكما "( متي 18 : 15 ) .
حيث لا يتعرض للخجل أمام الناس ، وحيث لا تنكشف أخطاؤه أمام الاخرين . وحيث يستطيع أن يعترف بالخطأ . ويعتذر عنه ، ويقبل التبكيت عليه ، إذ لا يراه أحد ، فلا يراق ماء وجهه امام الآخرين ، ولا ينفضح امام الناس . هذا هو النصح فيما بينك وبينه ، والتبكيت المستور ، و المقبول . أما إن قمت بتبكيته امام الناس ، فقد يضطر ان ينكر ، أو يدافع عن نفسه ، أو يكابر ! حتي لو فعلت ذلك بمحبة واتضاع . ولكن انكشافه امام الآخرين قد يضطره إن يحمي سمعته بالدفاع الباطل ، وربما بالكذب ... وتكون أنت قد أعثرته ودفعته كل ذلك لأنك فضحته علناً ، وخدشت حياءه ، وجرحت كرامته ...
وقد لا يخجل ، بل يتبجح ويقول " نعم قد فعلت " .
ليس في انسحاق قلب ، وإنما في تحد وفي مقاومه . وفي اصرار علي ان لا يبدو ضعيفاً أما الذين قال عنهم الرسل " وبخهم أمام الجميع لكي يكون عند الباقين خوف " ( 1 تي 5: 20 ) فهؤلاء هم الذين خطيتهم معروفه للكل ، وأصبح الأمر يتعلق بسلامه الكنيسة كلها وحفظ قيمها وروحياتها ... وصار الهدف هو
"لكي يكون عن الباقين خوف "... مثال ذلك أناس وقفوا في وسط الكنيسة يحدثون ضوضاء وهياجاً ويتكلمون بما لا يليق بغير مبالاة ، فهولاء يحتاجون إلي توبيخ عام ، وليس فيما بينك وبينهم .
قد يكون عمل الإنسان أنه ناقد في أية صحيفة من الصحف : ناقد روائي ، أو ناقد أدبي ، أو ناقد مسرحي ، أو ناقد رياضي...
فهل يترك عمله كناقد علي اعتبار أنه يوقعه في الإدانه ؟ وما الفرق بين النقد والإدانة ؟
كلا ، لا يترك عمله . إنما يسلك فيه بطريقة سليمة وبأسلوب روحي ، مبنية علي أسس عملية . ولا يكون أسلوبة هو الهدم و التجريح . وهناك فروق بين النقد والإدانة .
الفرق الأساسي بين النقد والإدانة ، هو ان النقد يلتزم الموضوعية . أما الإدانة فكثيراً ما تمس النواحي الشخصية . النقد يتناول الموضوع ويحلله ، ويقوم بعملية تقييم عادلة ، يذكر ما فيه من المحاسن ومن العيوب علي السواء . وقد يذكر أسباب النجاح وأسباب الفشل في كل النواحي . وأن كانت هناك مساوئ ، يقترح الوضع السليم الذي كان يجب اتباعه .
إذن النقد هو عملية تقييم . وكثيراً ما يلزم التقييم في كل حياتنا الاجتماعية و الكنسية ، بل وفي كل أنشطتنا .
والهدف من هذا التقييم هو الوصول إلي الأفضل ، باجتناب العيوب ، وتحسين مستوي النجاح ورفع درجته . ولذلك كثيراً ما يجلس الإنسان لتقييم أعماله ويعرف هذا باسم ( النقد الذاتي ) ، ويعرف في الروحيات باسم ( محاسبة النفس ). و النقد علم ، له قواعده وأصوله وأسلوبة . بل له حدوده أيضاً التي لا يتعداها ، والتي إن خرج عنها لا يكون نقداً ، أو لا يكون نقداً سليماً .
والنقد الذي لا يذكر سوي المساوئ ، هو لون من الهجوم . ولا يكون صاحبه منصفاً .
لذلك هناك أنواع ودرجات من النقد ، منها النقد الهادئ الرزين ذو الأسلوب العف . وهو النقد السليم المقبول . ومنها النقد اللاذع ، والنقد الجارح . وكل ناقد يختلف في أسلوبه عن الآخر ، ويختلف في اختيار الألفاظ التي يستخدمها ... والناقد المنصف يتخير الألفاظ كما بميزان دقيق جداً . فإن كنت ناقداً ، انظر من أي نوع أنت ...؟
كن موضوعياً ومنصفاً ، ولا تكن قاسياً في نقدك .
ربما ناقد أدبي أو علمي ينقد كتاباً ، فيكون نقده تكلمه لازمه لهذا الكتاب تحتاج إليها معلوماته . وربما ناقد ينقد كتاباً ، فيكون نقده مديحاً خالصاً ، أن كان الكتاب يستحق ذلك .
كذلك النقد يحتاج إلي دراسة واعيه .
يحتاج إلي معرفة واسعة جداً بالموضوع الذي ينقذه ، كما يحتاج إلي معرفة بفن النقد وأصوله ليس كل إنسان يرقي إلي مرتبه الناقد ،
أو يدعي لنفسه هذه الصفه . وليس كل ناقد يحترمه المجتمع ويثق به كناقد ...
و الناقد المنصف يستفيد من نقده للبنيان ، مقدماً فيه علماً وأدباً وفناً ...
يقول الرب في سفر اشعياء النبي " ويل للقائلين للشر خيراً ، وللخير شراً الجاعلين الظلام نوراً والنور ظلاماً . الجاعلين المر حلواً ، والحلو مراً " ( أش 5: 20 )
هل إذا طلبت في مجال الشهادة في محكمة : اتراك تستطيع أن تقع في شهادة زور لكي تبرئ مذنباً ؟!
وهل إذا قلت الحق ، اتراك تقع في خطية إدانة ؟! حاشا . بل أنك بتببرئه المذنب تقع في خطية كذب . كذلك في معاملاتك الخاصة . إن لم تستطع أن تقول الحق ، فعلي الأقل اصمت ، فهذا أفضل من تبرئة المذنب ، تبرئة تخدع بها السامعين . لعل من ابراز أنواع الإدانه غير الخاطئة
7 – أدانة النفس
إنها فضيلة ، توصل إلي الاتضاع ، وإلي التوبة و النقاوة ، وإلي امتصاص الرغبة في الإدانه بطريقة سليمة . وقد قال القديس مكاريوس الكبير " احكم يا أخي علي نفسك قبل أن يحكموا عليك ".
قال القديس الأنبا أنطونيوس " إن دنا انفسنا ، رضي الديان عنا " . كذلك إن الذي يدين نفسه ، ويوبخ ذاتها لكي يقومها ، هذا لا يجد دافعاً داخلياً لإدانه غيرة ، لأنه يشعر أنه مخطئ مثل ذاك وربما أكثر .
وإدانه النفس ، تحمي الإنسان من إدانته لغيره .
قال القديس الأنبا موسي عن انشغال الإنسان بخطاياه ، إنشغالاً لايسمح له أن يتفرغ للحديث عن خطايا غيره
من من الناس يكون عنده ميت فلا يبكي عليه ، وغنما يتركه ليبكي علي ميت عند جيرانه ؟!
نحب في موضوع الإدانه أن نورد ملاحظة اخيرة وهي :

من يبرئ المذنب :
يحدث عند البعض أحياناً ، أنهم يبرئون كل أحد - مهما كان مخطئاً – حتي لا يقعوا في خطية الإدانة . وأمثال هؤلاء ، عليهم ان يسمعوا قول الكتاب :
" مبرئ المذنب ، ومذنب البريء ، كلاهما مكرهة الرب " ( أم 17 : 15 ) . ذلك لأن كليهما بعيد عن الحق ، ويتكلم بالباطل . ونلاحظ هنا انه وضع عبارة ( مبرئ المذنب ) أولاً ,
فلا تظن انك تكون ذا قلب شفوق إن كنت تبرئ المذنب . فالمذنب هو ذنب . والخطأ هو خطأ . قد تدافع عن المذنب من حيث أنه فعل الذنب عن جهل ، أو عن ضعف ، أو عن خوف ، أو بسبب ظروف ضاغطة فتحفف بهذا من ذنبه . ولكن لا تستطيع ان تبرئه ، أو تدعي أنه لم يخطي ...!
بل يحدث أحياناً أن مبرئ المذنب يثير السامعين .
ويجعلهم يدينونه هو في دفاعه عن الباطل ، ويدينون المذنب بأكثر شده حتي يوازنوا مع ما قيل في تبرئة بعكس المقصود منها .
كما أن تبرئة المذنب تساعد علي الاستهتار .
سواء من جهة هذا المذنب ، الذي لا يشعر بتأنيب الضمير نسبب محاولة تبرئته ، فيستمر في أخطائة أو من جهة استهتار من يقلدونه ، شاعرين أنهم سيجدون من يعمل علي تبرئتهم . وقد سئل القديس باسيليوس الكبير هذا السؤال .
ما هي دينونة الذين يحامون عن الخطي ويدافعون عنه ؟
قال أظن انها دينونة ثقيلة ، أكثر من دينونه الذي يعثر غيره ، كما وردت في الإنجيل ( متي 5: 29، 30 ).
لأن الذي يدافع عن المخطئ ، يمنع المخطئ من أن يتوب .
ويجعله بهذا يستمر في خطيته ، ويعلم غيره شره . وهذا حق ، لأنه إن كان هذا الذي يدافع يقول : ماذا فعل(فلان ) ؟ لا يوجد خطأ في كل ما فعله ... فهو بهذا الكلام يشجع غيره أن يفعل مثله مادام الفعل غير مدان . هنا ويواجهنا سؤال لابد من الإجابة عليه ، وهو :
لماذا إذن ينصحنا القديسون أن ندافع عن المخطئين ؟
للإجابة علي هذا السؤال ينبغي أن نعرف تماماً ما هي نوعيه الدفاع ؟ ليس معني الدفاع أن نقلب الموازين الروحية ، ونقول عن الخطأ إنه صواب . كلا بلا شك . فقد قال الكتاب : ويل لمن يقول عن المر أنه حلو ( أش 5: 20 )
وإنما الدفاع هنا ينصب علي الظروف المحيطة ، وليس علي كنه العمل ذاته .
كأن ندافع بسبب أن الحرب كانت ثقيلة عليهم ، مع ضعف الطبيعه البشرية . كما نقول في أوشية الراقدين " إذ لبسوا جسداً ، وسكنوا في هذا العالم " وإنه " ليس أحد بلا خطية ، وإن كانت حياته يوماً واحداً علي الأرض " أو نعتذر عنهم بمكر الشيطان المحارب وخديعته وكثرة حيلة .
أو ندافع بأنهم فعلوا ذلك جهلاً ...
كما قال السيد المسيح عن صالبيه " لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون "( لو 23 : 34 ) . وقال القديس بولس الرسول " لأنهم لو عرفوا ، لما صلبوا رب المجد ( 1 كو 2 : 8 ) .
أو نقول إنه كان في حالة إثارة ، بحيث لم يستطيع أن يملك نفسه ، أو كان واقعاً تحت إغراء أو ضغوط أو عثرة ...ولكن لا يمكننا أن ننفي الخطأ ، أو ندعي أنه ليس خطأ . بل يتحدث فقط عن الظروف المحيطة . تماماً كالمحامي الذي لا ينفي التهمة ، أو الركن المادي منها ، ويتحدث فقط عن الركن الأدبي أو الحالة النفسية أو العقلية للمتهم . ولا يكون القصد سوي التخفيف من وقع الخطأ بدافع الرحمة ، وليس إنكار وجود الخطأ ، كأن يقول إنسان مثلاً " كلنا تحت الزلل " أو " كلنا معرضون للخطأ " . أو كما دافع بعضهم عن خطأ نسب إلي شخص كبير ة، فقال : هذه هي الطبيعة البشرية . و الكتاب يحكي عن نبي عظيم جداً مثل إيليا فيقول :
" إيليا كان إنساناً تحت الآلام مثلنا " ( يع 5: 17) .
مع أنه صلي صلاة أن لا تمطر السماء ثلاث سنين وسته أشهر فلم تمطر ، ثم صلي بعدها فأعطت السماء مطراً ( يع 5: 17 ، 18) .
ويقع في محاولة تبرئة المذنب من يتملق الكبار ‍‍‍‍!
محاولاً أن يبرئ أخطاءهم مهما كانت جسيمة ، باسلوب بعيد عن الحق . وبسبب هذا التملق ، يسقط كثير من الكبار في أخطاء ويستمرون فيها ، ولا تبكتهم ضمائرهم ، ببل قد يفتخرون بما وقعوا فيه من أخطاء !! ويدفعهم من يبرئهم إلي العزة بالأثم وإلي سياسات خاطئة ، ويشترك معهم في أعمالهم الشريرة .
إن كان الذين يصمتون علي الخطأ ، ولا يخرجون الخبيث من وسطهم ، يدانون كما دان بولس الرسول أهل كورنثوس . فماذا نقول إذن عن الذين يحامون عن الخطأ ويدافعون عنه ويبررونه ؟ لا شك أن هؤلاء دينونتهم أعظم .

شروط الادانة غيرالخاطئة :
1- أن تصدر من شخص مسئول :
وقد شرحنا هذا الأمر من قبل . ويبقي أمامك في كل مرة تدين فيها غيرك : أنة تسأل نفسك قائلاً "ط من أقامني قاضياً "( لو 12: 14 ) أو من أقامني معلماً ؟ فإن وجدت أنك في موضوع المسئولية فعلاً ، فلا مانع ...
2- الإدانه تقوم علي أساس من المعرفة :
أن الله هو " ديان الأرض كلها "( تك 18 : 25 ) ، لأنه بالاضافة إلي سلطانه الإلهي ، يوجد عدل في دينونته لأنها قائمة علي أساسا من المعرفه الشامله الأكيدة ، فهو العارف بكل شئ ، وهو الفاحص القلوب ، والقارئ الأفكار ، ويعلم ما يجول في مشاعر الإنسان ونياته ، ويعرف الخفيات والظاهرات .
وقضاه الأرض يبنون عدلهم في أحكامهم علي أساس من التحقيقات ، توصلهم إلي ما يمكن الوصول إليه من المعرفة : تحقيقات في مراكز الشرطة و النيابة و المحكمة ، مع فحص الأدلة ، وسمع الشهود ومناقشتهم ، واعطاء فرصة كاملة للدفاع وللرد علي أدالة الأتهام
أما انت ، فما هي معرفتك حتي تحكم ؟!
إلا يحدث أن يدين الإنسان غيرة عن طريق السماع و الشائعات أحياناً ، وعن طريق الظن في أحياناً أخري ، وبدون سماع عن نفسه في كل الحالات تقريباً !! ودون معرفة بظروفه ، وقصده ، وأسباب ما حدث منه ..
وربما لو اتيح لنا أن نعرف الحقيقة كامله ، لندمنا علي أحكامنا واعتذرنا عنها !
من أجل هذا لا يجوز لك أن تدين إنساناً في تصرف ما بدون أن تبحث وتفحص وتتحقق وتعطية فرصه أن يجيب عن نفسه . وليس من اللائق أن تلقي أحكامك بسرعة ، وتحكم علي شخص قبل أن يحكم الله عليه ... وما أصدق قول الرسول .
" لا تحكموا في شئ قبل الوقت "( 1 كو 4: 5) .
ويتابع الرسول كلامه فيقول " حتي يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ، ويظهر آراء القلوب . وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله "

لاتحكموا قبل الوقت :
قال القديس أوغسطينوس في تفسير هذه الآية (1 كو 4: 5 ) : هناك خطايا واضحة قال عنها الرسول " خطايا بعض الناس واضحه تتقدم إلي القضاء "( 1 تي 5: 24 ) . هذه الخطايا الواضحة إذا صدر عنها حكم ، لا يكون حكماً متسرعاً . ولكن هناك أموراً أخري غير واضحة إذا صدر عنها حكم ، لا يكون حكماً متسرعاً . ولكن هناك أمور اً أخري غير واضحه ، سيعلنها الله حينما يكشف ما في القلوب وينير خفايا الظلام ( 1 كو 4: 5 ) . عن هذه الأمور قال الكتاب " لا تحكموا قبل الوقت ".. لأن تصرفاً قد يبدو لنا أنه خطأ ., ولكن حينما يكشف اله نيات القلوب يظهر أنه تصرف سليماً ، وحينما يكشف الله نيات القلوب يظهر أنه خطأ . فلا تحكموا إذن قبل الوقت في هذه الأمور التي نيتها غير واضحة ، والتي ستبقي مخفاه إلي أن يعلنها الله .
إذن حكمنا هو في الأمور الواضحة . أما غير الواضحة فنتركها لله ، إلي أن يعلنها .
3- لايجوز أن تحكموا علي أحد وأنت مثله ، أو أسوأ :
وهذا واضح من قول السيد المسيح للذين طلبوا رجم المرأة المضبوطه في ذات الفعل . فمع أن الخطيئة كانت واضحه وفاضحة وثابته ، إلا أنه قال لهم " من كان منكم بلا خطية ، فليرمها أولاً بحجر " ( يو 8: 7) . فانصرفوا جميعاً وتركوها لأن الكل خطاة . والمثل يقول " من كان بيته من زجاج ، لا يقذف الناس بالحجارة "
لذلك فالإنسان المتواضع لا يدين أحداً ...
إنه ينصت في انسحاق قلب إلي قول السيد المسيح " لماذا تنظر القذي في عين أخيك . وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها ؟! ... يا مرائي اخرج أولاً الخشبة من عينك . وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذي من عين أخيك " ( متي 7: 3-5 ) .
والمتضع إذاً اضطر أن يدين ، يفعل ذلك باتضاع .
لا بعجرفة ، ولا بكبرياء ، ولا باحتقار وازدراء لغيره . ويكون موضوعياً ، فلا يجرح إحساس غيره ولا يخجله . وكما قال الرسول " أيها الأخوة إن إنسيق إنسان ، فأخذ في زلة ، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعه ، ناظراً إلي نفسك لئلا تجرب أنت أيضاً . احملوا بعضكم اثقال بعض "( غل 6: 1، 2 ) .
4-ولا تكون الإدانه بحقد ولا بغيظ ولا بكراهية :
حتى إن كان الذي يدين بفعل ذلك بسلطان وعن معرفه ، إلا أن ادانته إذا ما إذا ما اختلطت بالكراهية والحقد تصبح أدانه خاطئة . لأن " المحبة لا تفرح بالاثم ، بل تفرح بالاثم ، بل تفرح بالحق "( 1كو 13 : 6 )
الحكم بالحق
سئل القديس باسيليوس الكبير عن معني قول الرب " لا تدينوا لكي لا تدانوا " ( متي 7: 1 ) ، فأجاب : قال الرب في موضع آخر :
" لا تنظر إلي الوجوه ... العدل العدل تتبع لكي تحيا "( تث 16 : 19 ، 20 )
" لا ننظر إلي الوجوه " أو " لا تأخذ بالوجوه " معناها " لا تحاب " . إياك و المحاباه ، بل أحكم بالعدل و الحق . وهنا قال القديس :
إن الله لم يمنعنا عن الإدانه جمله ، بل أمرنا أن ندين بالحق ، في الوقت المناسب وعن عمل دون عمل . فالأشياء التي لم يحد الكتاب لها حداً ، بل وضعها تحت سلطان الإنسان مثل الأكل و الشرب وغير ذلك ، قال الرسول فيها " لماذا تدين أخاك ...؟ "( رو 14 : 10 ) وأيضاً " لا نحاكم بعضاً بعضاً " ( رو 14 : 13
" أما الأمور التي لا ترضي الله ... فقد لام الذين لا يدينوا عليها "
يقصد لام المجموعة كلها The whhole community لأنه كان ينبغي عليها أن تدين الشخص المخطئ . وذكرهم بقول الكتاب " اعزلوا الخبيث من وسطكم "( 1 كو 5 : 13 ) . فربما من أجل خطية إنسان واحد ، يحل غضب الله علي المجموعة كلها .
والمجموعة مسئولة عن أن تنظف نفسها ، وتعزل الخبيث من وسطها ، لئلا يحل غضب الله علي الكل بسبب خطية واحد .
لقد كادت السفينة كلها أن تغرق بسبب خطية واحد هو يونان ، بينما باقي ركابها ما كان لهم ذنب . وأيام يشوع بن يونان ، غضب الله علي المجموعة كلها بسبب خطية واحد هو عخان بن كرمي ( يش 7 ) . فمن الحق أن تدين الشر الذي فيها ، وتخرجه خارجاً ، لئلا تهلك كلها بسببه.
ولكن هذه الخطوه تحتاج إلي حكمة .
قال القديس باسيليوس إن هناك بعض الأمور التي ينطبق عليها قول الكتاب :
غيره بيتك أكلتني ، لأن اعداءك نسوا وصاياك "( مز 119 ) .
إنها غيرة لله . ولابد للإنسان أن يفرق بين ما إذا كان الدافع للإدانة هو الغير ة المقدسة ، إم أن الدافع هو حقد شخصي ، أو كراهية شخصية ، أو شماته بإنسان مخطئ . فإن كانت هي الغيرة المقدسة – وليس تكون الإدانه مقبولة . ولكن
هذه الغيرة ينبغي أن تكون حسب المعرفة ( رو 10 : 2 ) .

أنواع ادانة الاخرين :
إدانه الآخرين ليس لها أسلوب واحد ، ولا تكون بالكلام وباللسان فقط ، إنما قد تبدو أولاً بالفكر ، أو تحدث عن طريق السماع . أو قد تكون مجرد شعور في القلب ، يتطور من حال إلي حال . وربما تصدر عن طريق الملامح و الحركات . وقد تحدث الإدانه بطريق غير مباشر ، وقد تأخذ صوراً مختلفة ، وتصل إلي درجات خطيرة ، كلما ارتبطت بمشاعر أخري .
وسنحاول أن نتناول كل هذه الأنواع والدرجات بالتفصيل
الادانة بالفكر :
الإدانه بالفكر ، ربما تكون أخف ألوان ، لأنها قاصرة علي الشخص الذي يدين ، ولم تنتشر في الخارج .
ولكن خطورتها أنها نقطة البدء ، وإنها المصدر لكل الأنواع الأخري من الأدانه . لذلك يجب الأنتصار عليها قبل أن تتطور ، وقبل أن تسئ إلي آخرين ، و تنتقل من درجة إلي أخري
علي أن الإدانة بالفكر قد تكون أولاً مجرد حرب روحية .
وقد ينتصر عليها الإنسان ويطردها من ذهنة ، قبل أن تصبح خطية . أما إذا ترك فكر الإدانة داخله ، وبدأ يقتنع به ، ثم خلطه أيضاً بمشاعره ، فحينئذ لا تكون الإدانه مجرد حرب ، إنها لاقت مقبولاً في الداخل .
وقد لا يكتفي الإنسان بالرضي بفكر الإدانه ، وإنما يضيف عليه تصورات وتخيلات من عنده ، لتكبيره وتجسيمه
ويحدث هذا كثيراً ، إن كان لايحب الشخص الذي يدينه ، أو أن كان يكرهه أو يحقد عليه ... وحينئذ لا يكتفي بأن يجعل فكر الأدانة يستقر ويستمر ... ولا يكتفي بالتفكير في أخطاء أخري ، وينكشف فيها أمام الناس ، أو أن يضبطوه في كذا و كذا ، و ينفضح ، أو يحاكم .
وهكذا يكون الفكر مجرد شاشة يعرض عليها القلب ما في داخله من مشاعر خاطئة وتصورات بشعة .
المفروض أن توقف فكر إلإدانه بمجرد أن يخطر علي ذهنك . ولكنك إن وصلت إلي هذا الحد ، فإن الأمر معك لا يقتصر علي علاج الإدانه ، وإنما بالأكثر معالجة أسبابها و التخلص مما في القلب من مشاعر خاطئة ...
والإدانة بالفكر تتبادل الموقع مع الإدانه بالقلب :
فالفكر حينما يدين إنساناً ، يوصل مشاعر خاصة بهذه الإدانه إلي القلب . والقلب إذا وجدت فيه أمثال هذه المشاعر ، يصدر أفكاراً إلي العقل . وهكذا يغذي كل منهما الآخر .
خطورتها إن الإدانه تخرج من فكر أو لسان صاحبها ، لكي تصب في آذان وأفكار ومشاعر آخرين .
إن الإنسان الذي يدين بالفكر ، إن تاب عن خطيته ينتهي الأمر عند هذا الحد أما الذي يدين بلسانه ويسمعه غيره ويتأثر به ، فإن تاب لا تكون إدانته قد انتهت لأنها لا تزال موجوده في فكر غيره وفي معرفته .
وما يدربنا إلي كم شخص قد وصل هذا الكلام
علي أن الإدانه باللسان ، هي أيضاً متعددة الأنواع منها :
الاغتياب :
ومعناها أن أنساناً يتكلم بالسوء علي غيره في غيبته . وربما لا يجرؤ أن يقول شيئاً من هذا في حضرته . وقد يحرص كل الحرص أن يظل كلامه مستوراً لا يصل إطلاقاً إلي هذا الشخص . ومن أمثلة ( الغيبة ) ما يقال عن الرؤساء و الكبار . وعلي رأي المثل " الملك في هيبته يشتم في غيبتة "...
ومن أضرار الاغتياب أن الشخص الذي يساء إليه سراً ليست لدية الفرصة للدفاع عن نفسه ، لأنه لا يعرف !
فإن كان الذين يسمعون ، من النوع الذي يصدق كل ما يسمعه ، ففي هذه الحالة تسوء سمعته ، وهو لا يدري ، ودون أن تكون أمامه لشرح الحقيقة ، وتوضيح الأمور وشرحها وتبرير ما ينسب إليه .
و الغيبة تدل علي أن صاحبها تنقصه الشجاعة و الجرأة ... بل قد تدل علي أنه يتصف بالرياء و النفاق ، إن كان يقول كلاماً عكس هذا في حضرة من يسئ إليه باغتيابه ...
النميمة :
وهي مسك سيرة الناس ، والتحدث عن اخطائهم ، أو نسبة أخطاء إليهم . والنميمه مرض منتشر بين الكثيرين . فإذ لا يجدون شيئاً نافعاً يتحدثون فيه ، يجعلون أخبار الناس مادة مفضلة لأحااديثهم ، وبخاصة ما تحملة هذه الأخبار من انتقادات وتحليل للمواقف ، وشرح الأخطاء و النقائص .
ولذلك فمن ضمن أسباب النميمة الفراغ .
فالإنسان المشغول باستمرار لا يجد وقتاً يتحدث فيه عن أخبار الناس واخطائهم . والسيدة العاملة قد تكون أقل وقوعاً في هذه الخطية من السيدات الجالسات في البيوت ، ولا حديث لهن إلا عن أخبار الجيران . والتلميذ في أيام الإمتحانات ، وهو منشغل بدروسة ومراجعتها ، لا يجد دافعاً داخلياً للاسترسال فيه ...
لذلك اشغل نفسك ، حتي لا تقع في الإدانة و النميمة وأيضاً من أسباب النميمة معاشرة النمامين .
لأنهم يفتحون لك أمثال هذه الموضوعات . وإن فتحتها انت ، يشجعونك علي الاسترسال فيها . ومع هؤلاء النمامين ، تشعر أن مسك سيرة الناس شئ عادي ، لا غرابة فيه . بل تشعر أنه مجال للتسلية ، وربما تجد فيه متعة إن كان مختلطاً بروح المرح ، فتستمر دون أن يستيقظ ضميرك ، ودون حرج ...
الادانة :
ومعناها من جهة اللغة الحكم علي الغير بأنه مذنب ... ولكن الآباء في بستان الرهبان يفرقون بين النميمة قد تحمل الحديث عن خطأ معين قد حدث ، بينما الإدانة تحمل الحكم علي أخطاء ثابته في الشخصية .
وهناك يوجد فرق بين الإدانة الجزئية ، والإدانة الكلية .
فمثلاً يوجد فرق بين قولك إن فلاناً قد كذب ، في موقف معين ، وبين قولك إنه شخص كذاب ، اي أن الكذب جزء من عناصر شخصيته . وبالمثل يوجد فرق بين قولك إنه قد جبن أو خاف في إحدي المناسبات ، وبين قولك بصفة عامة إنه جبان أي أن الجبن من مكونات شخصية ...
كذلك هناك فرق بين الإدانه الفردية والإدانه الجماعية
فهناك إنسان قد يقع في إدانة شخص ما وإنسان آخر قد يتطور به الأمر إلي إدانة مجموعة معينة ، أو مدينة بأسرها ، أو شعب كامل . وقد يدين البشرية في نواح معينة مثال ذلك يقول لك : المدينة الفلانية تشتهر بالبخل ، أو الشعب الفلاني يتصف بالبرود ، أو الشعب الفلاني يتصف بالتهور . وهكذا يسم الشعب كله بصفة واحدة ...
و المعروف أنه قد يوجد في أسرة واحدة أخان أو شقيقان ، كل منهما له طبع مخالف للآخر .
قايين طبعة غير هابيل ، وهما شقيقان ،و كذلك طبع يعقوب يختلف عن طبع عيسو وهما توأمان . وبالمثل سليمان غير ابشالوم ، وهما شقيقان ... وهكذا في الأسرة الواحدة طباع متنوعة . فلا نستطيع أن نحكم علي طباع شخص بصفات أقربائة أن كان الأمر هكذا ، فما معني الحكم علي مدينة أو شعب بحكم واحد وربما يكون المقصود هو الصفة الغالبة . ومع ذلك فقد لا توجد هذه الصفة عن البعض .
وقد يتأثر إنسان بحادث معين وقع له مع شخص ما ، لكي يصدر حكماً علي هذا الشخص يشمل حياته وصفاته كلها .
بينما كل شخص قد تمر عليه في حياته فتره ضعف ، أو فتور ، أو فترة يكون فيها تحت ضغطات معينة ، أو في حالة نفسية مؤقتة نتيجة لأسباب خاصة ... ولا يمكن أن تعبر تصرفاته في مثل هذه الفترة عن الصورة الثابته لشخصية ... ولكن ويل له من حكم من آه في تلك الفترة ، أو في أحد مواقفها بالذات
ومن أمثلة الإدانة العامة : إدانة اليهود للأمم .
وإدانتهم أيضاً للسامريين ، وإدانتهم لكل من يتعامل مع هؤلاء وأولئك . وهكذا تعجبت المرأة السامرية من حديث السيد المسيح معها ، بينما " اليهود لا يعاملون السامرية "( يو 4 : 9 ) تعني هنا الشعب كله ، وليس شخصاً واحداً بالذات . وهكذا نري ان الإدانة تطورت إلي المقاطعة ، ولم تعد مجرد كلام إدانة .
ومن أمثلة الإدانة العامة أيضاً : إدانة الفريسيين للعشارين .
ربما كانت صفة الغالبة في العشارين هي الظلم ، ولكن ليس شرطاً أن يتصف بها كل عشار . فقد يوجد عشار تائب ... ونلاحظ من عمق إدانة الفريسيين للعشارين ، إن الفريسي وقف يدين العشار حتي أثناء صلاته . فأشار إلي العشار المنسحق القلب وقال " أشكرك يارب ، لأنني لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة ، ولا مثل هذا العشار .." ( لو 18 : 11) .
التشهير :
ومعناه أن تجعل أخطاءه مشهورة عند الآخرين .والذي يقع في التشهير ، لا يبالي بأن يحدث كل أحد عن أخطاء من يسئ إليه ، فينشر تلك الأخطاء ، أو ما يري أنه أخطاء ، في أوسع نطاق ممكن ، بلا حرص إطلاقاً علي مشاعر وسمعة الشخص الذي يتحدث عنه ...
وتزداد خطية التشهير بشاعة ، علي قدر اتساعها وانتشارها .
ولا تقتصر علي الأشخاص الذين يتحدث معهم هذا الذي يدين غيره ، وإنما تمتد أيضاً إلي الذين ينقل إليهم سامعوه نفس الكلام ونفس الإساءات ... وما أدرنا ربما كل منهم يضيف شيئاً من عنده ، من استنتاجاته أو مفهومه الخاص . ويصبح الأمر معروفاً لدي عدد كبير جداً يصعب إحصاؤه ...
وربما المخطئ يتوب ، ولكن الشهرة الرديئة تظل تتعبه وتتعبه .
بل ربما هذه الشهرة تكون عائقاً أمامه في التوبة ... هذا إذا كان مخطئاً بالحقيقة .. لأنه في أحياناً كثيرة لا يكون التشهير مبيناً علي أساس من الحق والصدق و العدل .
فربما يبني التشهير علي شائعات إو إدعاءات .
وما أسهل أن يحدث هذا من جانب الحاقدين أو الحاسدين أو الظالمين أو أصحاب الأغراض ...إن آخاب الملك عندما أراد أن يستولي علي حقل نابوت اليزرعيلي، دبرت إيزابل زوجته مؤمراة للإيقاع بنابوت ، بأن يشاع عنه أنه جدف علي الله ، وأرسلت رسائل إلي شيوخ وأشراف مدينته بذلك ، ونادوا بصوم ، واجلسوا نابوت في رأس الشعب ، وشهروا به تشهيراً إلي رجمه ... وكان بريئاً ...( 1 مل 21 ) . ولعل تشهيراً مثل هذا حدث ليوسف الصديق ، أنتهي إلي سجنه . بل أن تشهيراً ظالماً آخر أشاعه الكتبة و الفريسيون ضد السيد المسيح نفسه ، انتهي إلي صلبه ...
وإن كانت كل هذه الأمثلة ثبتت براءتها ، فإن تشهيرات أخري قد لا تنال فرصه لإثبات براءتها ...
ومن خطية الإدانه بالتشهير ، ما يسمونه في مواد القانون باسم " القذف العلني وأحياناً لا يكون هذا التشهري باللسان ، وإنما عن طريق الصحافة مثلاً ، حيق تقوم حملة صحفية عنيقة ضد شخص ما ، أو ضد هيئة معينة ، أو بلد من البلاد ، وتؤدي هذه الحملة إلي سوء سمعة واسعة النطاق ، أو إلي فضيحة عالمية . وبعض هذه الحملات انتهت إلي سقوط رئيس دولة ، أو سقوط وزارة ، أو أقاله وزير ... فكم بالإولي يكون تأثيرها علي شخص لا يملك دفاعاً عن نفسه ؟ وهذا يقودنا إلي نوع آخر من الإدانه وهو :
الادانة بالمطبوعات او التسجيلات الصوتية
وهذه تكون أكثر خطراً ، لأنها أوسع إنتشاراً
فقد لا تكون الإدانة باللسان ، وإنما عن طريق منشور مطبوع توزع منه نسخ بعشرات الآلاف وتنتشر أو تكون عن طريق كتاب مطبوع أو نبذه . او تكون هذه الإدانه في مقال ينشر في الصحف ويسئ إلي إنسان أو إلي مجموعة من الناس . أو صورة أخذت بطريقة ما ، وتطبع وتنشر بقصد الإساءة .
ويشبه هذا النوع ، خطابات يرسلها شخص إلي آخرين . وتحوي أخباراً فيها إساءة إلي إنسان ما ، وفيها إدانه له . و القصد بها هو التشهير .
ويدخل في الإدانة باللسان : التسجيلات الصوتية .
فهي لسان مستمر الكلام ، كلما شئنا له أن ينطق . وهذا النوع أكثر ثباتاً وأنتشاراً من كلمة يقولها شخص في وقت ما ، دون تكرارها لها . وهو أيضاً من الوثائق المحفوظة التي يمكن استخدامها في أي وقت ، ويمكن أن تطبع منها نسخ عديده تساعد علي أنتشار ما يراد سماعه .
وتكون الإدانه باللسان صعبة ، إن صدرت من فم كاهن .
لأن الناس يميلون بطبيعتهم إلي تصديق الآباء الكهنة وعدم الشك في اقوالهم . فيأخذون مثل هذه الإدانة كحكم كنسي ثابت . كما يصبح من الصعب علي من أصابته هذه الإدانة أن يدافع عن نفسه ، ويشكك في قول الكاهن .
وصعوبتها أيضاً أن كل إنسان ينتظر من الكاهن أن يستر عليه ، لا أن يعلن أخطاءه ..
ينتظر ان يسمع منه كلمة بركة لا كلمة دينونة ، كما قال السيد المسيح للمرأة الخاطئة " ولا أنا أدينكم . اذهبي ولا تخطئ أيضاً "( يو 8 : 11) . وكما قال أيضاً
" لم آت لأدين العالم ، بل لأخلص العالم "( يو 12 : 47 ) .
ولكن يستثني من هذه القاعدة من جهة الرعاة و الكهنة ، الإدانة اللازمة لسلام الكنيسة . كإدانة الهراطقة و المبتدعين ، والذين هم خطر علي الجامعة . وكذلك الخارجين عن نظام الكنيسة . كما قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس الأسقف
" الذين يخطئون ، وبخهم أمام الجميع ، لكي يكون عند الباقين خوف "
( 1 تي 5: 20 ) . ومن أجل حفظ النظام العام في الكنيسة ، كانت إدانة بطرس الرسول لحنانيا وسفيرا(أع 5 ) .
يقول الآباء أن السامع شريك للمتكلم ، لأنه قد أعطاه فرصه ليتكلم ويقول ما عنده .
وقد نصح الآباء بعدم السماع . فقال القديس موسي " لاتمش مع النمام ... ولا تصدق كلام نميمة في أي إنسان ".
والسامع هنا يكسر وصية البعد عن المعثرات .
لأنه في سماع كلام الإدانة أو النميمة عثرة . والمفروض أن تبتعد عن العثرات . فإن سمعت كلام أشخاص يمسكون سيرة الناس ، علي الأقل تشوه سمعك وفكرك وقلبك . وإذا صدقت ما تسمعه ، بدون فحص ، فقد تتغير علاقتك بالآخرين . والسماع يولد لك إدانة بالفكر ...
· وقال الأنبا موسي أيضاً :
" أياك أن تسمع بسقطة أحد أخوتك ، لئلا تكون قد دنته خفية
هذا إذا صدقت ما سمعته عنه . أما إن لم تصدقة ، فعلي الأقل تكون قد دنت . يتكلم عنه . وفي كلا الموقفين تصير واقعاً في الأدانة وربما الشخص الذي سمعت عنه سوءاً ، لا تدينه الآن ، وترفض قبول ما سمعته عنه . ولكن الأخبار والأفكار تتركز في عقلك الباطن ، لكي تظهر بعد حين ...
* وقال القديس الأنبا إشعياء :
" إن سمعت أخاً يدين آخر ... فلا تستح منه أو توافقه .... لئلا يغضب الله .. بل قل باتضاع : اغفر لي يا أخي ، فإني إنسان شقي .. وهذه الأمور التي تذكرها انا منغمس فيها ، ولا احتمل ذكرها ".
وطبعاً ليس المقصود ان تقول هذا الكلام حرفياً ، إنما :
يكفي أن تهرب من السماع بأية وسيلة تناسبك .
يمكن أن تغير مجري الحديث إلي موضوع آخر أو تسأل أسئلة تنقله إلي جهة أخري ، أو أن تختم الكلام بعبارة " نصلي من أجله ومن أجل أنفسنا ، ليرحمنا الرب جميعاً ". أو أن تقول " هذه السقطات التي اسمع عنها تدل علي أن الشيطان نشيط وقوي . حقاً ما أعجب حيل الشياطين .." . وتحول الحديث إلي حيل الشياطين .
* قال الأنبا اشعياء أيضاً " لا تقبل أن تسمع عن خطايا أخيك أو أن تلومه "...
وهذه النصيحة نجدها أيضاً في المزمور 51 .
حيث يقول " يارب من يسكن في مسكنك ، أو من يصعد إلي جبل قدسك ، إلا السالك بلا عيب ، الفاعل البر ، الذي يتكلم بالحق في قلبه ... ولا يصنع بقريبة سوءاً ولا يقبل عاراً علي جيرانه ".
إي لا يقبل أن يسمع عنهم كلمه سوء . يرفض أن يسمع .
فالمفروض فيك إذن : أنك لا تتكلم بكلام نميمه أو إدانة ضد إنسان ، ولا تسمع مثل هذا الكلام .
وهكذا يقول القديس مارأغريس :
الذي يسمع بالردئ .شريك للذي يتكلم بالردئ وهما متعاونان معاً في إهلاك قلبيهما ...
· ولعله يقصد الذي يكون راضياً بهذا السماع ومعطياً فرصة للمتكلمين به أن يقول وأن يزيد . اما الرافض السماع ، فحتي إن كان موجوداً بجسده ، فإنه لا يحب أن يصغي بأذنيه ، ولا يعطي سمعه للكلام ، بل يشغل ذهنه بأمور أخري . ولا يقبل ما يسمعه . ولا عاود التفكير فيه ولا يعطية عمقاً في داخله .
·يكمل القديس مارأوغريس حديثه فيقول:
فسد أذنيك الآن عن قول الذين يقعون في غيرهم ، لئلا تأثم معهم وتعود ذاتك الأغراض الشريرة ".
" تأثم معهم " لأنك رضيت أن تجلس في مجلس من هذا النوع ، ورضيت أن تضيع وقتك وتفقد نقاوة فكرك ، عن طريق هذا السماع . كما أنه لو استمر بك الأمر في أمثال هذه المجالس ، سوف تتعود هذا الأسلوب من الأحاديث . وربما تتطور من السماع إلي الاشتراك في الكلام .
* أما مار اسحق ، فإنه يشبه الإدانة بالنار ، ويقول :
" أعلم أنه بزت منك نار واحرقت آخرين ، فإنه الله يطالبك بأنفس المحترقين ".
هذا إذا كنت أنت المتكلم ، واستطعت أن تتلف بساطه الآخرين ونقاوتهم بما تقوله من كلام سئ عن أخوتهم . وهكذا تكون قد أعثرتهم ،يطالبك الله بأنفسهم ... ولكن ماذا إذا لم تكن أنت المتكلم بل السامع ؟ يقول ماراسحق :
" وإن كنت يا هذا ما ألقيت ناراً ، ولكن وافقت راميها ، وارضاك فعله ، فأنت تشترك معه في الدينونة ".
وانصافاً للحق ، لعلنا هنا نقسم السامعين إلي انواع :
أ – نوع يسمع الكلام الردئ وهو متضايق ، ويريد ان يبتعد ، ولكنه غير مستطيع خجلاً أو أداباً
ب- نوع يسمع كلام الأدانه ، ويستطيع ان يهرب من الكلام وسماعه ، أو من المكان كله ...
ج- نوع يسمع ، وينصت جيداً ، ويناقش الكلام في داخله بعقل وحكمة وفحص ، ويقبل ما يمكن قبوله ، ويرفض الباقي ، كمجرد أخبار ، دون ان يحكم في داخله علي احد ، منتظراً مجالاً أوسع للفحص و التحقيق
د – نوع يسمع كلام الإدانة ويقبله ويتأثر به ، ويتغير به فكرة وقلبه ، ويظل صامتاً
هـ- نوع يسمع كلام الإدانة ، ويتجاوب معه بفكرة ، ويشترك فيه . وهنا يخطئ بالسماع وبالكلام وبالفكر أيضاً .
و- وهناك نوع آخر أصعب من كل هؤلاء تحت عنوان
كلام يسهل الادانة :
قد لا يتلفظ بكلمة إدانة . ولكنه يسأل أسئلة ، أو يقول كلاماً يسهل الإدانة ، عن قصد وعن رغبة .
إي أنه لا يدين بلسانه ، ولكنه يفتح الباب للأدانه ..
ربما يكون سمع بان شخصاً ما قد وقع في خطية معينة ، أو علي وشك ان تدور حوله فضيحة ما ... فيسأل " أين فلان ؟ ما هي اخبارة . لم أره من مدة ، وأحب أن أطمئن عليه "... من يستطيع ان يقول ان هذه كلمات إدانة ... ولكن :
المهم ليس في الكلام الذي يقوله ، إنما في الرد الذي يتوقعه .
لأن سامعه ما أن يتلقي هذا السؤال ، حتي يفتح ملف ذلك الشخص المراد أن يساء إليه ، ويحكي حكايات كلها إدانة وسوء سمعه ، ويخاض في سيرة هذا الإنسان وفيما ينسب إليه من اتهامات ... ويكون صاحب السؤال هو السبب في كل هذا يحمل مسئولية الإدانه ...
وقد يتظاهر بالدفاع عنه ، بطريقة تعمق الإتهام وتوضحه :
فيقول مثلاً " من غير المعقول أن يحث كل هذا من هذا الأخ . أنا لا أستطيع مطلقاً أن أصدق ". وبهذا الكلام الذي يبدو في ظاهره دفاعاً يفتح الباب أمام الأدله والاثبات التي يؤكد كل ما ينسب إليه ... وتنتهي الجلسة بإدانة هذا الأخ إدانة تدعمها الأحداث و البراهين . وسبب كل هذا الإسئلة التي قدمها هذا الزميل ففتح باب السيرة ، وفتح أبواباً للتفاصيل .
وهكذا وقع في خطية إدانة تصحبها غالباً رياء ...
فهو يتظاهر أمام الناس أنه لم يخطئ إلي ذلك الشخص ، بل كان يدافع عنه بينما كان قصده غير هذا ... وما أسهل أن يقول " من يستطيع أن يمسك علي خطأ قلته في سمعة هذا الأخ ؟!
بالأضافة إلي خطية العثرة ، كان يخطئ ، ويحمل غيره المسئولية
وما أسهل أن يذهب إلي أب أعترافه ويقول له " صدقني يا أبي لم أقل كلمه إساءه واحده . الإساءات صدرت ضده من فلان ، وانا ةكنت أدافع وأقول إن ذلك الكلام غير معقول !
ليس من الضرورة أن تكون خطية الإدانة مكشوفة ومباشرة .
من السهل ان يقع الإنسان فيها بطريقة غير مكشوفة ، وبطريقة غير مباشرة . من السهل أن يقع الإنسان فيها بطريقة مكشوفة ، وبطريقة غير مباشرة بان يشجع غيره علي الخطأ ، أو يفتح له باب الخطأ . ويقف هم من بعيد يتفرج ويسمع ، بوجه كله ( براءة) ، محتجاً علي ما يقال احتجاجاً يساعد علي المزيد ... إنه مجرد سأل سؤالاً...
وقد لا يكون السؤال عن شخص ، وإنما عن موضوع .
والكلام يجر نفسه بعضة بعضاً إلي أن يصل إلي شخص . وهناك موضوعات من المعروف جيداً من هم الأشخاص المرتبطون بها و الذين يحملون المسئولية .
من أجل هذا يقول الآباء القديسون :
" لا تقل كلاماً يسهل اللائمة..."
فإن كنت أنت حقاً شخصاً بعيداً عن الإدانة . فحتي إن فتح غيرك الموضوع وليس أنت – ووجدت أن مجري الحديث سينتهي إلي مسك سيرة إنسان ، حاول أن تغير مجراه إلي اتجاه آخر.
أنواع اخري من الادانة
قد تأتي الأدانه أحياناً عن طريق الإحراج وكشف الأخرين .
فربما لا تقول لإنسان إنه جاهل ، ولكنك توجه إليه بضعه اسئله منتقاه ، تعرف مقدماً أنه لا يتسطع الإجابة عنها أو هي فرق مستواه . وبهذا تحرجه وتكشف جهلخ أمام الآخرين . ويكون قصدك هو هذا . وتكون قد وقعت في خطية الإدانة ، دون أن تلفظ كلمة واحدة من كلمات الإدانة . ولكن افدانة هي في نيتك وفي قصدك ، وقد وصلت إليها باسئلتك .
كذلك قد تسأله عن بعض خصوصيات تحرجة وتدينه !
مثل : أين كنت في اليوم الفلاني وفي اليوم الفلاني ؟
ومن الذي قابلته ؟
وماذا قلت له ؟ وماذا أعطاك ؟ وتبدو الإسئلة خالية من ألفاظ الأدانة . ولكن الإدانة كامنه في أجابتها ، أو فيها تثيره هذه الأسئلة من شكوك في أذهان الحاضرين ... إذيقولون .. ولو في ذهنهم – لابد أن في الأمر شيئاً محرجاً ...
وقد تكون الإدانة في أسلوب الشكوي :
لأنه لا يوجد أحد يشكو إلا من أخطأ الغير أليه . فالشكوي تحمل أتهامه بهذا الخطأ . وكلما انتشرت هذه الشكوي امام كثيرين ، تزداد سمعة الرجل سواء كإنسان يسئ إلي غيره أو يظلمه أو يهينه
وقد تكون الإدانة عن طريق الملامح وليس اللسان .
مثال ذلك أن يسألك أحدهم عن شخص معين ، فلتوي شفتيك في أحتقار وازدراء ، أو تلوح بيدك بطريقة يفهم منها هذا المعني ، أو تنظر نظرة خاصة ذات معني ، أو تومئ بايماءة لها نفس المعني ... كل ذلك دون أن تنطق بكلمة إدانة واحدة . ولكن الملامح والإشارات تعبر تماماً عما تقصده ، دون أن تتكلم
والأدانه قد تصل إلي درجة التحقير أو التعيير .
وهذا لون آخر من الادانه ، ارتبطت به خطايا اخري ، واصبح له عمق خاص يجعله أخطررر من غيره من جهه المشاعر ...إنه نوع يهين ويجرح ، ولا يبالي بإنسانية من يدينه !
إن الذي يحتقر غيره ويزدرية لسقوطه ، هذا خطيته أصعب ممن يغتاب أو ينم أو يدين .
أعلم أن الشخص الذي تحتقره وتزدريه ، لسقوطه أو لضعفه ـ، أنت من نفس طبيعته القالبله للسقوط ، ويمكن أن تقع فيما وقع فيه ....
أتستطيع ان تدين شخصاً ، أغتصب اللصوص بيته ؟! أم أنت تشفق عليه ، تخاف لئلا يحدث لك مثل الذي حدث له ؟ هكذا الخاطئ هو في وضع شبيه بهذا .
قال القديس الأنبا إشعياء :
الذي يلوم أخاله ... أو يحتقره ... أو يشي به قدام آخرين ... هو إنسان قد صار بعيداً عن الرحمة

خطية الادانة خطية مركبة
كما تحدثنا عن الغضب ( النرفزة ) وقلنا إنه خطية مركبة ، كذلك نقول عن خطية إدانة الآخرين ، إنها غالباً ما تكون مجموعة خطايا مجتمعة ومركبة ، كذلك نقول عن خطية إدانة الآخرين ، إنها غالباً ما تكون مجموعة خطايا مجتمعة ومركبة معاً تحت هذا الإسم . ونبدأ فنقول إنها :
اساءة الي كثيرين :
فهي تحمل إساءه إلي الله ، وإلي الشخص الذي غيره ، وإلي المساء إليه ، وإلي السامع ، وإلي كل من تصلهم هذه الإدانة ولو بطريقة غير مباشرة ... فكيف ؟
اساءة الي الله :
الإدانة هي عمل من أعمال الله ، لأن الله هو الديان ( مز 50 : 6 ) ، وهو " ديان الأرض كلها "( تك 18 : 25 ) . وهو الوحيد الذي يستطيع أن يدين بعدل مطلق ، لأنه فاحص القلوب والأفكار ، ويعرف النيات و المقاصد ، كما يعرف الخفيات و الظاهرات ، وعلي علم بكل الملابسات و الظروف المحيطة . وهو يعرف كل هذا معرفة يقينة لاشك فيها .
لذلك فالذي يدين غيره بغيره حق ، إنما يأخذ حق الله واختصاصاته ، كما يمارس عملاً ليس في حدود قدراته .
وهو بهذا يدين إنساناً قبل أن يدينه الله ، وقبل أن يأتي يوم الدينونه الرهيب ، فهو يحكم إذن قبلالوقت . كما أنه يدين عبداً لمولاه حق التصرف فيه . ومولاه هو الله . يستثني من هذا ، الذين منحهم الله حق الإدانة ، فقد قيل عن الحاكم مثلاً إنه " لا يحمل السيف عبثاً ، إذ هو خادم الله منتقم من الذي يفعل الشر " ( رو 13:4 ) . وكذلك من اقيموا من الله للرعاية مثل الوالدين والاباء الروحيين ، وكل من هو في مسئولية .
كذلك فإن الذي يقع في خطية الإدانة ، إنما يكسر وصية الله الذي قال " لا تدينوا لكي لا تدانوا "( متي 7: 1 ) . فهو إذن يخالف الله ، ويكون بهذا قد أخطأ إليه ، بالعصيان . وبالاضافة إلي هذا فإن خطية الإدانة :

اساءة الي الذي يدين
والذي يدين غيره ، ترتفع عنه النعمة والمعونة ، فيسقط .
وذلك لكي تنسحق نفسه في هذا السقوط ، فلا يعود ويدين غيره . ولكي يشعر أنه معرض أن يسقط فيما سقط فيه أخوه ، لولا أن النعمة تسنده . فبقاؤه قائماً في الوقت الذي سقط فيه غيره ، ليس دليلاً علي قوته الذاتية ، إنما هو راجع إلي عمل النعمة . فلا يتكبر ويدين أخاه ، لكيلا ترتفع عنه النعمة فيسقط .
فإنه بهذه الإدانه يوقع نفسه في الحكم ، إذ أن الرب قد قال " لا تدينوا لكي لا تدانوا . لأنه بالدينونة التي بها تدينون تدانوا . وبالكيل الذي به تكليمون يكال لكم "( متي 7: 1،2 ) .
إذن فالذي يدين غيره ، يعرض نفسه للدينونة .
وبنفس الكيل لي سأقل . بل ورد في الإنجيل لمعلمنا مرقس الرسول """ يكال لكم ويزاد "( مر 4: 24 ) . فالذي يقسو مثلاً في إدانته لغيره ، إنما يعرض نفسه لنفس القسوة وأزيد . وقد يتعرض لهذا الحكم هنا علي الأرض كما هناك في السماء . مثال ذلك العبد الذي عامل بالقسوة رفيقه المدينة له ، إذ قيل عنه في الإنجيل " فدعاه حينئذ سيده وقال له : أيها العبد الشرير ، كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت مني . أفما كان ينبغي أنك أيضاً ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا . وغضب سيده وسلمه للمعذبين "( متي 18 : 32- 34 )قال أخ لشيخ " لماذا يا أبي شيطان الزني يحاربني بقسوه حتي أنني أسقط فأجابة الشيخ " ذلك لأنك تدين أخاك ، فتفارقك النعمه ، فتشعر بقسوه الحرب وتسقط ". ولعل الإنسان لأول وهلة يعجب قائلاً " وما علاقة الإدانة بالزني ؟" حقاً لا توجدعلاقة مباشرة . ولكن هي هذه النتيجة : مفارقة النعمة لمن يدين غيرة ...
إذن لا تدين غيرك ، ليس لمجرد الشفقة عليه ، وإنما أيضاً إشفاقاً علي نفسك .
إشفاقاً علي نفسك من نتائج افدانة بالنسبة إليك أنت . سواء تعرضك لتخلي النعمة هنا ، أو تعرضك للدينونة هناك ، أو مقاساتك منت مرارة الخطية التي دنت النعمة هنا ، أو تعرضك للدينونة هناك ، او مقاساتك من مرارة الخطية التي دنت أخاك عليها . كما حدث في قصة ذلك الشيخ الذي قسا في حكمة علي شاب سقط في الحرب علي هذا الشيخ ليقاسي في شيخوختة ما لم يجربة في شبابه .
كذلك الذي يدين غيره ، قد يعامله الناس بالمثل .
كما قيل في المثل " من غربل الناس نخلوه ". فكثيراً ما يحدث للذي يعيب غيره ، أن يرد عليه بالمثل . وكما كشف ضعفات غيره ، يكشف هذا الغير ضعفاته مدافعاً بأن الكل تحت الضعف : الذي يدين كالذي يدان منه .
إذن أنت إن دنت غيرك ، تتعرض لكشف ضعفاتك .

إما أن يكشفها من تسئ إليه ، أو يكشفها أصدقاؤه واحباؤه وكل المدافعين عنه . أو تنكشف ضعفاتك بأي سبب ، بسماح من الله ، حتي لا تعود تجلس في منصة القضاء تدين غيرك ، كأنك بلا عيب . انظر ماذا قال الرب للذين دانوا المرأة الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل .. قال لهم .
" من كان منكم بلا خطية ، فليرميها أولاً بحجر "( يو 8 : 7 ).
وورد في معاملة الرب لأولئك القساة الديانين أنه " أنحني إلي أسفل ، وكان يكتب علي الأرض " وقيل في التفسير إنه كان يكتب لكل واحد منهم خطيته لذلك ورد بعدها " وأما هم فلما سمعوا ، وكانت ضمائرهم تبكتهم ، خرجوا واحداً فواجداً مبتدئين من الشيوخ إلي الآخرين "( يو 8: 8 ، 9 ) . لذلك لما سمعوا عبارة " من كان منكم بلا خطية فليقذفها أولاً بحجر ". . وكأن الرب يقول لهم : بدلاً من أن تنظروا إلي خطية المرأة ، انظروا إلي خطاياكم .
مع أن المرأة كانت خاطئة فعلاً ، وهم لم يظلموها ولم يدعوا عليها إدعاءات باطلة لأنها " أمسكت في الخطية " أمسكت وهي تزني في ذات الفعل . ولكن السيد المسيح أراد لهؤلاء أن ينظروا إلي خطاياهم ، وليس إلي خطية غيرهم .
الله هو وحده الديان ، أيضاً لأنه هو وحده القدوس ( رؤ 15: 4 ) . أما باقي البشر ، فينطبق عليهم المثل القائل " من كان بيته من زجاج ، فلا يقذف الناس بالحجارة " . ليتك تذكر نفسك بهذا المثل ، حتي لا يتهشم بيتك ...
ارحم إذن مادمت محتاجاً إلي الرحمة . واستر علي غيرك ، مادمت محتاجاً إلي الستر .
وبالكيل الذي تريد أن يكال به لك ، يمكنك أن تكيل لغيرك . أتريد ستراً ، إذن استر . أتريد أن خطاياك تظل مخفاة لا يعرف بها أحد ، إذن اعمل المثل ، وأترك خطايا غيرك مستورة لا يعلم بها أحد ...
خطية ضد المساء الية
إنها إساءة لسمعته التي تلوكها الألسن وتصبح مضغة في الأفواه . وهي حط لكرامته ، بينما يقول الكتاب " مقدمين بعضكم بعضاً في الكرامة "( رو 12 : 10 ).
وفيها الحديث عن لأخطائه ، دون إعطائه فرصة للدفاع عن نفسه .
أو لتوضيح موقفه ، او لشرح الأسباب التي دعته إلي التصرف هكذا ... وربما يكون كل ما يقال عنه شائعات لا صحة لها ...
وبفرض أنه أخطأ ، لماذ لا تستر عليه ؟
وقد قيل عن القديس مقاريوس الكبير أنه صار كملاك علي الأرض ، لأنه كان يستر خطايا الآخرين ، ولا يدع أخطاءهم تنفضح أمام الناس . فإن كنت أنت لم تستطيع أن تستر علي غيرك وتخفي فضائحة . فعلي الأقل لا تكن سبباً لنشرها بالأكثر في محيط أوسع ، بالحديث عنها و الحوار فيها ...
كذلك بنشرك لخطايا الغير ، إنما تعرقل طريق توبته ...
فالإنسان الذي لم ينضح أمره ، يمكنه أن يتوب إذا أراد ، بعكس الذي تلاحقة سمعته وأخطاؤه حيثما تذهب ... قد يجد صعوبة في أن يغير مسلكه ‍ وفي أن يغير مسلكه ‍ وفي أن يصير إنساناً جديداً
وربما الحديث عن خطايا غيره يفقده ثقه الناس فيه ...
وهكذا لا يستطيع أن يستعيد مكانته في المجتمع ، ولا أن يكون علاقات طيبة مع الشرفاء و الحريصين ، ويصبح التعامل معه موضع شك بسبب ما قيل عنه ... وعلي رأي القديس ذهبي الفم :
" أن كنت لا تستطيع ان تسد فم من يتكلم علي أخية بالسوء فعلي الأقل لا تتكلم انت .
وأنت في خطية الإدانة لا تسئ فقط إلي الله و إلي نفسك وإلي المساء إليه ، وإنما أنتأيضاً تتسبب في :
الاساءة الي السامعين :
ما ذنب السامع إن كنت تسبب له عثرة ؟
وأنت تعرف ما قاله الرب عن صانعي العثرات :" ويل لمن تأتي بواسطته العثرات . خير له لو طوق عنقه بحجر رحي وطرح في البحر ، من أن يعثر أحد هؤلاء الصغار "( لو 17 : 1 ، 2 ) .
ماذنب السامع في أن تفقده بساطته وتسبب له إفكاراً ؟‍
وهكذا تعير صورة الآخرين في ذهنة . وقد تثبت عنده هذه الفكرة التي غرستها فيه من جهة الغير ، وقد تؤثر علي عرقتة به ومعاملته له ، دون أن يدري ذاك سبباً لكل هذا ‍‍ لماذا هذا الإتلاف ؟‍
ولهذا قال الآباء : إن الذي يتكلم بالسوء علي غيره ، يهلك أنفس سامعية ونفسسه أيضاً لا تفلت ..
وربما – دون أن تدري – تحمل إدانتك لغيرك إساءة أخري .
اساءة الي اخرين لاتعرفهم :
فكلام الإدانة الذي قلته ، ربما لا يصل إلي سامعيك فقط ، وإنما قد تتناقله الإلسن فينتشر وسط كثيرين لا تعرفهم وهؤلاء أيضاً بالمثل : تسبب لهم عثرة وتفقدهم بساطتهم ، وتتغير علاقاتهم مع المساء إليه ... وتسع الدائرة ...
إن كلمة الإدانة التي تقولها ليست عاقراً ، فقد تلد بنين وبنات ، وقد ينتشر نسلها في أماكن متعددة ، وقد ياتي بنسل آخر من استنتاجات وأويل وإضافات وفهم خاطئ.
وقد لا تلد كلاماً فقط ، وإنما أيضاً مشاعر وخلافات .
وأنت في كل ذلك ، تحاول أن تحصر نطاق خطيتك فلا تستطيع ، وتحاول أن تحصي عدد الذين أعثرتهم فلا تقدر ... إنهم إسماء تعرفها ، وإسماء لا تعرفها ...
وإدانتك لغيرك قد تلد عند البعض إدانة لك .
لماذا يتكلم عن غيره بهذا الأسلوب ؟ ولماذا يمسك سيرة غيره ؟ ولماذا ينتقد هذا الإنسان او ذاك ؟ وما الدافع وراء كل هذا ؟ وهل كلامه حق أم مخترغ ؟ وهل يتكلم عنا نحن أيضاً بنفس الأسلوب ؟ وهل يمكن أن نسلم من لسانه أم سوف يأتي دورنا ؟ وهكذا تتحول من مسئ إلي غيرك إلي مساء إليه .
فالذين يسمعونك أو يصل إليهم كلامك : بعضهم سيصدق ما يسمعه ، و البعض لايصدق .
فالذين يصدقونك سوف تسوء سمعة ذلك الشخص في نظرهم . والذين لا يصدقونك ستسوء في نظرهم سمعتك أنت . وفي كلا الحالين خسارة لك ولهم ....
الادانة خطية مركبة
ليست الإدانة في جميع حالاتها حكماً بريئاً عادلاً ، من شخص له سلطان أن يدين ... وإنما قد تكون خطية حينما تصبح مجرد مسك سيرة ، وإساءة إلي السمعة وقد ترتبط بخطايا أخري . وربما تكون لها خلفيات وأسباب
وقد تكون أسباب الإدانة خطايا أبشع من الإدانة ذاتها .
فإدانة الآخرين لا تنشأ من فراغ ، ولابد من دوافع ، أو عوامل مساعدة ، علينا أن نعرفها ونتتبعها ونعالجها ... باحثين عن الخطايا المرتبطة بالإدانة . وقد لا تكون كلها مرتبطة بكل خطية إدانة ، وإنما بعض منها مرتبط بمناسبة أو بشخص ، و البعض بمناسبة أخري وبشخص آخر . فما هي هذه الخطايا : إنها :

V
V
V


عدل سابقا من قبل عاشقة الروح في الخميس يوليو 12, 2012 2:37 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.fairouzehfriends.com/contact.forum
عاشقة الروح

avatar

الجنس : انثى
المشاركات : 690
العـمر : 28
الإقامة : لبنان موقتا
العـمل : علم
المزاج : جيد
السٌّمعَة : 10
التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: كتاب ادانة الآخرين - البابا شنودة الثالث    الخميس يوليو 12, 2012 2:37 pm


عدم المحبة :
يقول الكتاب " المحبة تستر كثرة من الخطايا " (1 بط 4:8 ) .
ولعل القديس بطرس أقتبس هذه الآية من سفر الأمثال ، إذ ورد فيه " البغضة تهيج خصومات . والمحبة تستر كل الذنوب "( أم 10 : 12 ) . وكما يقول المثل السائر " حبيبك يبلغ لك الظلط ، وعدوك يتمني لك الغلط ".
إن كنت تحب إنساناً ، فسوف لا تدينة ، بل ستدافع عنه
وكما قيل في المزمور عن الرجل البار إنه " لا يقبل عاراً علي جيرانه " ( مز 15 : 3 ) . فكم بالاولي يصنع مع أحبائه وأصدقائة وأقاربة ...
الإنسان عادة يدين واحداً من أثنين :
فإما أنه يدين شخصاً لا يعرفه ، أو شخصاً عادياً لا تربطه به محبة ولا كراهية ، ولا تهمه سمعته فى شئ إن ساءت أو ارتفعت فى نظر الناس ... وطبعاً هذا الإتجاه هو ضد مبدأ المحبة من نحو الكل . إذ ينبغى أن تكون سمعة الناس – أياً كانوا – عزيزة فى أعيننا ، فهم بشر وأخوة ، حتى إن كنا لا نعرفهم ، ولا نقابلهم بلا مبالاة ...
وإما ان تكون الإدانة مصحوبة بخطية حقد وكراهية نحو شخص يبغضه القلب ، كما كان النوع السابق مصحوبة بخطية اللامبالاة ...
والحقد أو الغيظ أو البغضة من الخطايا الصعبة التي ينبغي أن ينقي الإنسان قلبه منها . يقول القديس يوحنا الحبيب " كل من يبغض أخاه ، فهو قاتل نفس " ( 1 يو 3 : 15 ) . ويقول أيضاً " وأما من يبغض أخاه ، فهو في الظلمة ، وفي الظلمة يسلك ، ولا يعلم أين يمضي ، لأن الظلمة أعمت عينية " (1 يو 2 : 11 ). البغضة قد تكون أم الإدانة ، وهي أكثر شراً من إبنتها .
إنها تلد الإدانة ، وتغذيها من شرها ، وتصحبها طوال الطريق . وبها تصبح خطية الإدانة مركبة [ بغضة + إدانة ] ، أو لامبالاة بمشاعر الآخرين وسمعتهم تلد عنها خطية إدانة . أما المحبة فهي بعيدة عن كل هذا .
فكم بالأولي إذا وصلت البغضة إلي حد الغيظ و الحقد ؟!
وهنا تكون التركيبة قد ازدادت تعقيداً . فالبغضة ولدت غيظاً وحقداً . وهذان انجبا الإدانة . وبقيت البغضة تغذي الثلاثة ! والإدانة التي سببها البغضة ، إنما تخرج من قلب مسموم معكر . وحتي لهجة الصوت فيها ، أو ألفاظ التعبير ، تحمل في طياتها ما في القلب من حقد وهذا يذكرنا بخطية أخي قد تصحب الإدانة وهي :

القسوة :
هناك إدانات لا تصحبها قسوة ، مثل الإدانة التي هي مجرد ثرثرة أحاديث حول مسك سيرة الناس . وهذه قد تكون بأسلوب عادي ، وربما معه بعض التهكم و التفكه لتسلية الجلسه (!!) كما تظن هؤلاء ….
ولكن هناك إدانات معها قسوة في الحكم أو في الحكم أو في الألفاظ .
مثل قسوة الكتبة و الفريسيين الذي أتوا بالمرأة الخاطئة ، بعد فضحها أمام الناس . ولم يكتفوا بما سببوه لها من عار ، وإنما أرادوا أن ينقذوا فيها حكم الرجم حسب الشريعة ( يو 8 : 5 ) .
ومثالها قسوة الذين أدانوا السيد المسيح بحكم الموت .
وأصروا علي ذلك صائحين " اصلبه اصلبة " " دمه علينا وعلي أولادنا " ( متي 27 : 23 ، 25 ) ( مر 15 : 13 ، 14 ) ، إلي جوار ما صحب هذه الإدانة من جلد ولطم وبصاق وأنواع استهزاء أخري صادرة من قلوب قاسية
وقد تكون القسوة في استخدام ألفاظ جارحة .
أو وصف الشخص المدان بأوصاف رديئة جداً ، وتهم تمس شرفه أو شخصيته أو عقليته . ولعل من الأدانة الجارحه كلمة " يا أحمق " الذي قال الرب إن عقوبتها نار جهنم ( متي 5: 22 ) . وما أكثر الكلمات و العبارات التي يستخدمها الناس بنفس معني كلمة ( أحمق )…
وقد تكون القسوة في أسلوب الشدة و العنف الذي يستخدمه أحدهم في الإدانة :
حيث يدين غيره بغضب شديد وعصبية ظاهرة ، وربما في ثورة وهو ساخط كل السخط علي تصرفات هذا الخ التي يصفها بأعنف الكلمات ، مما يدل علي قسوة شديدة داخل القلب .
وقد تبدو القسوة في عدم التماس أي عذر للذي يدينة .
وكذلك في عدم تقدير ظروفة النفسية أو الصحية أو الأجتماعية ، وما أحاط بتصرفة من ملابسات وأسباب . بل يصدر الحكم في أسلوب قاطع وهو يقول " مهما كانت الأسباب "…
وقد تظهر القسوة في عقوبة شديدة ، يصدرها علي من يدينة
وينفذها إن كان صاحب سلطان . أو يقترحها إن كان لا دخل له بالموضوع ويقول في عنف : هذا الشخص يستحق كذا وكذا من الاحكام … ولو كنت أنا المسئول لفعلت به كذا وكذا ..!
وغير البغضة و القسوة قد ترتبط الإدانة بخطية أخري هي :

الظلم :
ليست كل إدانة عادلة . فهناك إدانات فيها ظلم :
كأن يدين الشخص غيره لمجرد السماع ، أو عن طريق الشائعات .
وقد يكون ما سمعه غير صحيح . وقد تكون الشائعات مغرضة ، أو خارجة من مصدر حاقد يريد التشهير . وربما يكون كل ما قيل عن هذا الإنسان مجرد اختراعات ، ولكهنا انتشرت نتيجة تداول الكلام . وليس كل ما ينتشر يكون صحيحاً . ولا يصح الحكم علي أساسه .
وربما يكون الظلم ناتجاً عن عدم التأكد وعدم التحقيق :
و المفروض أن المتهم برئ إلي أن تثبت الجريمة عليه . والمفروض في كل ما نسمعه عن أحد ، أننا لا نصدق بسرعة وبدون فحص ، وبدون اعطائه فرصة ليجيب عن نفسه . وقد ادين يوسف الصديق عن جريمته هو برئ منها كل البراءة ، واتهمته زوجة سيده ظلماً ، ومع ذلك ألقي في السجن وقد حمي عليه غضب سيده دون أن يتحقق من صحة التهمة . وربما امتلأت المنطقة بكلام سوء عن يوسف نتيجة لما قالته الزوجة الشريرة . ولعلة خلال السنوات التي قضاها في السجن كانت تلاحقه الإدانة الظالمة و السمعة الردئية .
وقد يكون الظلم عن جهل كما فعل فوطيفار بيوسف . وقد يكون بمعرفة وبنية سيئة كما فعلت زوجة فوطيفار بهذا البرئ .
وسواء كان الظلم عن جهل أو عن قصد سئ ، فهو ظلم يلصق الإدانة بإنسان برئ . والظلم المقصود يقودنا إلي الخطية اخري قد ترتبط بخطية الإدانة وهي :
الكذب
وهذا الكذب قد يكون كاملاً ، او عن طريق المبالغة
و الكذب الكامل هنا ، يقصد به أن شخصاً يخترع كلاماً ضد آخر للإساءة إلي سمعته ، وهو يعرف تماماً أن ما يقول عنه هو محض افتراء . وطبعاً لا يفعل هذا إلا لو كان قد دفعه إلي الكذب شعور من الكراهية او رغبة في الإنتقام أو لون من الحسد . وهنا تكون خطية الإدانة مركبة من عديد من الخطايا .
وقد تصحب الإدانة بكذب جزئي هو نوع من تضخيم الواقع بأسلوب مسئ .
فقد يقع إنسان في خطأ ديني عن عدم فهم ، فيقدمه آخر للسماعين علي اعتبار انه هرطقة أو فضيحة أو عار ، ويضخم من قيمة الخطأ كما لو كان كفراً ... ويفعل ذلك أما بسبب الرغبة في الإساءة ، او لأنه بطبيعته مبالغ في كل ما يتكلم عنه من أمور ...
وربما يكون الكذب من اختراع المتكلم الذي يدين ، أو يكون نقلاً آخرين ...
وفي الحالتين كلتيهما – اختراع الكذب أو نقله - يكون الشخص المساء إليه واقعاً تحت ظلم وهو برئ . و المفروض في ناقل الكذب أن يتحري جيداً في تقبل الخبر وفي توصيله لآخرين ، وقد لا يكون من حقة ذه التوصيل .... ننتقل إلي خطية أخري ترتبط بالادانه وهي :

عدم الاتضاع :
دائماً الذي يدين غيره ، يكون ناسياً خطاياه الخاصة .
ولو افتكر خطاياه ، ما كان يفكر في خطايا أخيه ، أو يتحدث عنها أو يعايره بها ! ولذلك فإن الكتبة و الفريسيين لما كانوا ناسين خطاياهم أثناء إدانتهم للمرأة المضبوطة في ذات الفعل ، ذكرهم الرب بهذه الخطايا ، فلما بكتتهم ضمائرهم عليها ، تركوا إدانة الخاطئة وانصرفوا ( يو 8: 9-11) .
في عدم الاتضاع ، يظن الإنسان نفسه افضل من غيره ، فيدين هذا الغير
ولذلك فإن الفريسي المتكبر أدان العشار في الهيكل ، لما رأي في نفسه أنه ليس من الناس الظالمين الخاطفين الزناة ، ولا مثل هذا العشار ، ولما تذكر بره وصومه وعشوره ( لو 18 : 11 ، 12 ) . اما العشار فكان منشغلاً بإدانة نفسه أمام الله ،فلم يدن غيره .
تزيد الإدانة بواسطة الكبرياء ، إذا ما قارن الإنسان نفسه بمن هو أقل منه .
لذلك فإنه يدين هذا الذي هو أقل ، كما أدان الفريسي العشار . أما المتواضع الذي يري أنه أقل من الكل ، فلا يدين غيره . كذلك بالبكرياء يظن انه لا يمكن ان يسقط فيما سقط فيه هذا المدان . أما المتواضع فلا يعتبر أنه أقوي من أية خطية ، بل يتذكر ان الخطية " طرحت كثيرين جرحي ، وكل قتلاها أقوياء " ( أم 7: 26 ) لذل فهو لا يدين غيره .
بل بالكبرياء يمكن ان الإنسان يدين من هو أكبر منه :
كما حدث أم مريم وهارون وقعاً في إدانة أخيهما موسي النبي العظيم حينما تزوج إمرأة كوشية . فكانت النتيجة و لذلك وبخهما الله ، وشرح لهما كيف أنهما أقل من موسي بكثير ، حتي يعودا إلي اتضاعهما ، ويعرفا قدر هذا العظيم الذي يدينانه . وضرب الله مريم بالبرص ، فأخرجوها خارج المحلة سبعة أيام كنجسة حتي تتعلم الأتضاع فلا تدين من هو أكبر منها ( عد 12 : 15 ) .
وكان سبب وقوع مريم وهرون في الإدانة هو عدم الاتضاع ، إذ قالا " هل كلم الرب موسي وحده ؟ ألم يكلمنا نحن أيضاً " ( عد 12 : 2 ). فكلمهما الرب بتوبيخ ليعرفا قدرهما تماماً ...
في إدانة الآخرين خطية أخري وهي :
أعثار الاخرين :
ونقصد هنا طبعاً الإدانة باللسان ، لأن الإدانة بالفكر أو القلب لا تعثر احداً
اما الإدانة باللسان ، فتعثر السامع ، وتوقعه مع المتكلم في نفس الخطية .

ويكون المتكلم الذي ادان غيره قد تسبب في سقطة أخيه ، ويحاسبه الله علي هذه العثرة . وبقدر ما يزداد عدد الذين تعرضوا للعثرة ، تكبر خطية الإدانة جداً .... خطية اخري ترتبط الإدانة وهي
الاهانة والتحقير :
الإدانة هي بلا شك إقلال من شأن المدان
لأنها تحكي عيوبة أو نقائصه ، خطاياه أو أخطاءه . وهي علي درجات في شدتها . وقد تصل أحياناً إلي الإهانة و الشتيمة ، او إلي التعبير و التحقير . وقد ينظر فيها الذين يدين نظرة استصغار أو أحتقار إلي من يدينة ، مشعراً إياه بضآله قدره ، أو مبكتاً إياه بازدراء ، أو جاعلاً الآخرين يستصغرونه أو يفقدون احترامهم له .

وقد يجرحه بكشف أسراره وخصوصياته امام الناس .
ويحكي ما يعرفه عنه من امور مشينة . وقد يزداد الأمر خطورة بان يشعر السامعين أن هذا الشخص لا فائدة فيه ، ولا اصلاح له ، كأن قد حكم عليه بالضياع !
وهذه النقطة ترتبط بها نقطة أخري وهي :
عدم الياقة
إذا قد يتحدث بعيوب الشخص أمام أعدائه فيشمتون به .
أو يزداد هجومهم عليه ، أذ قد قدمت لهم مادة جديدة يحاربونه بها، وما أكثر مايسبب
له هذا الأمر متاعب واشكالات . أو قد يدينة أمام مرءوسيه ، أو ابنائه ، أو أمام من هم أصغر منه ، فتضيع هيبته أمامهم ويفقد مركزه . وكل هذه وأمثالها أمور غير لائقة ، تضاف إلي خطية الإدانة ، فتجعل حجمها أكبر ومسئوليتها أزيد . وقد يختلط في كل ذلك بعدم الحكمة ، أو عدم التقدير ، او عدم التقدير ، او عدم مراعاة شعور الآخرين . نقطة أخري تحدث أحياناً وهي :
قد يصل الأمر بإنسان إلي إنه يدين نيات غيره ومقاصده ، فيقول " هذا الإنسان نيته سيئة ، وهو يقصد كذا وكذا من الشرور ..!
بينما معرفة النيات و المقاصد هي من شأن الله وحده .
ولكن الامتداد في الأدانة جعله يدين النيات . وربما يقول أنه يفعل ذلك عن طريق الخبرة ، أو عن طريق الاستنتاج . ولكن لاشك أنه لاشئ من كل هذا مؤكد وما أسهل أن تكون كل استنتاجاته خاطئة ، وفيها ظلم وادعاء بمعرفة هو فيها " يرتئي فوق ما ينبغي "( رو 12 : 3 ) .
الحكم علي النيات ، حتي لو صح ، هو خطأ روحي .
فكم يكون إذن من يدين مشاعر القلب ، ومن يدين أفكار الناس ، وهو لا يمكن ان يعرف المشاعر و الأفكار ، إلا عن طريق الظنون : وليست الظنون صادقة باستمرار ..
بل يوجد من يدين حياة إنسان بالجملة ، وطبيعته وخلقه ... وربما يدين مصيه أيضاً ...
قال أحد الشيوخ ( في بستان الرهبان ):
إن كان لا يعرف ما في الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه ( 1 كو 2: 11 ) ، وإذا كنا نعرف أن كثيرين قد تابوا ، دون أن نعلم نحن بتوبتهم ، وإذ قد يتفق أن يتوب إنسان في آخر حياته ، ويقبل الله كاللص ، فسبيلنا إذن أن لا ندين أحداً ... فالديان هو الله وحده ، فكيف يجرؤ أحد أن يتدخل فيما هو خالص بالله ؟!
آخر خطية اتحدث عنها كخطية مرتبطة بالإدانة هي :

الحكم علي النيات :
قد يصل الأمر بإنسان إلي إنه يدين نيات غيره ومقاصده ، فيقول " هذا الإنسان نيته سيئة ، وهو يقصد كذا وكذا من الشرور ..!
بينما معرفة النيات و المقاصد هي من شأن الله وحده .
ولكن الامتداد في الأدانة جعله يدين النيات . وربما يقول أنه يفعل ذلك عن طريق الخبرة ، أو عن طريق الاستنتاج . ولكن لاشك أنه لاشئ من كل هذا مؤكد وما أسهل أن تكون كل استنتاجاته خاطئة ، وفيها ظلم وادعاء بمعرفة هو فيها " يرتئي فوق ما ينبغي "( رو 12 : 3 ) .
الحكم علي النيات ، حتي لو صح ، هو خطأ روحي .
فكم يكون إذن من يدين مشاعر القلب ، ومن يدين أفكار الناس ، وهو لا يمكن ان يعرف المشاعر و الأفكار ، إلا عن طريق الظنون : وليست الظنون صادقة باستمرار ..
بل يوجد من يدين حياة إنسان بالجملة ، وطبيعته وخلقه ... وربما يدين مصيه أيضاً ...

قال أحد الشيوخ ( في بستان الرهبان ):
إن كان لا يعرف ما في الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه ( 1 كو 2: 11 ) ، وإذا كنا نعرف أن كثيرين قد تابوا ، دون أن نعلم نحن بتوبتهم ، وإذ قد يتفق أن يتوب إنسان في آخر حياته ، ويقبل الله كاللص ، فسبيلنا إذن أن لا ندين أحداً ... فالديان هو الله وحده ، فكيف يجرؤ أحد أن يتدخل فيما هو خالص بالله ؟!
آخر خطية اتحدث عنها كخطية مرتبطة بالإدانة هي :

الابرياء
الشخص الذي يدين غيره علي خطأ ، وهو يرتكب نفس الخطأ أو ما هو أسوأ ، يصفه السيد المسيح بالرياء .
فيقول له " لماذا تنظر القذي الذي في عين أخيك ، واما الخشبة التي في عينك فلا تقطن لها ؟! ... يا مرائي ،
أخرج أولاً الخشبة من عينك ، وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذي الذي في عين اخيك ( متي 7 : 3 – 5 ) .
إذن من الرياء ان ندين الناس علي أشياء نحن نقع فيها خفية
أو نحن نقع في أمور اخري ،ربما تكون أكثر خطأ منها .
أقوال الاباء في الادانة :
قال القديس دورثيئوس :
" الحكم علي خليقة الله ، يليق بالله ذاته لا بنا "
" لأنه هو وحده العارف بسر كل إنسان وعلانيته . وله وحده إصدار الحكم في كل أمر ، وعلي كل شخص ".
" الله وحده له الحق في أن يبرر أو يدين ، لأنه يعرف طبع كل إنسان وقوته " .
وهو أيضاً يعرف ميوله ومواهبه وتركيبه البدني ومقدارته . لذلك فإنه الله عندما يدين ، يدين بالعدل .. ولهذا قال الرسول لمن يتطاول علي عمل الله هذا :" من انت أيها الإنسان يا من تدين عبد غيرك ؟ عبد هو لسيده ، يثبت أو يسقط . ولكنه سيثبت لأن الله قادر أن يقيمه "( رو 14 : 4 ) .

********
وقال القديس دورثيئوس أيضاً :
"إن سم الإدانة أحياناً يخرج من إنسان ، لكي يصب في آخرين ". نلاحظ إنه وصف الإدانة بسم ، أي إنها تميت من تصل إليه . وكأنه بهذا يشبه الذي يدين غيره بحية تنفث سمها ...

********
قال القديس مارأوغريس :
" لا تميز الذين سقطوا ( من الذين لم يسقطوا ). و لاتترك فكر الكبرياء يقنعك بأن تكون دياناً " . وهنا القديس يربط بين الإدانة و الكبرياء .
قال القديس الأنبا إشعياء :
" إذا أبصرت إنساناً قد أخطأ ، فلا تحتقره ، ولا تزدربه ، لئلا تقع في أيدي أعدائك ".
حقاً ، ماذا تريد أنت من وراء هذه الإدانة ؟ هل تريد أن هذا الشخص يكرهه الناس ؟ أم تريد أن اله يهلكه ، ويجازية بحسب أعماله الردية ؟ امامنا قصة من البستان تلقي ضواءاً علي هذا الأمر ...
********
قصة من البستان :
قيل إن راهباً كان مقصراً في عبادته ومتهاوناً ... فلما جاءته ساعة الوفاة ، اجتمع الرهبان حوله ، لكي يروا كيف سيقابل الموت ... فوجدوه فرحاً !! فقال له أحد الشيوخ " تشدد أيها الأخ باسم المسيح وقل لنا ما الذي يفرحك ؟" فأجابه ذلك الأخ : إنني رأيت أناساً مقبلين لأخذ نفسي ، ورأيت صك خطاياي . وقالوا لي " هذه خطاياك " . فقلت " خطاياي أنا أعرفها ولا أنكرها ولكنني منذ ترهبنت ، وانا لم أدن إنساناً . وأريد أن تنفذ في الآية التي تقول " لا تدينوا لكي لا تدانوا " . فكيف أدان ، وأنا لم أدن احداً ؟! . ولما قلت هذا تمزق صك خطاياي
هذا الراهب لم يكن يعيش في الخطية ، إنما كان مهملاً في عبادته . ولكنه كان طيب القلب ، لا يغضب علي أحد ، ولا يدين أحداً ، ولا يتكلم بالشر علي إنساناً . كان متضع القلب .
واستطاع باتضاعه وعدم إدانته لغيره ، أن يخلص ...
بالدقة في تنفيذ هذه الوصية ، أمكن أن ينجو من الدينونة التي كان يمكن أن تحل به بسبب تهاونه .
وقال القديس ايرايس :
إنه جيد أن يأكل الإنسان لحماً ، ويشرب خمراً " " ولا يأكل لحوم الأخوة ويشرب دماءهم بالوقيعة "
لقد شبه الإدانة بعملية افتراس للآخرين ، افترس لسمعتهم وكرامتهم . وقال إنه خير للإنسان أن يكون مفطراً ولا يدين غيره ، من ان يصوم وياكل لحوم الناس بإدانتهم . وأكل لحوم الناس ابشع من أكل اللحم العادي ...
********
وقال القديس الأنبا مسرا :
" إن التعقل ( التعفف ) الذي هو أفضل من إمساك البطن ... والذي يجب أن تجذب إليه نفسك ، ألا تأكل لحم إنسان ولا تشرب دمه بالوقيعة "
إنه نفس تعبير القديس إيرايس ... ونفس التعبير يردده أيضاً ماراسحق اسقف نينوي

********
قال مار اسحق :
" إن الذي يصوم نفسه عن الأكل و الشرب ، بينما يأكل لحوم الناس بالوقيعة ، فصومه باطل ".
********
وقال القديس ايرايس أيضاً :
" كما أن الحية لما كلمت حواء ، أخرجتها من الجنه ... كذلك يشبهها ذلك الذي يقع بقريبه "
" ذلك لأنه يهلك أنفس سامعيه ، ونفسه كذلك لن تفلت ... كما تفلت الحية نفسها من اللعنة ".
إي أنه يضيع نفسه ، ويضيع غيره معه .
أما ماراسحق أسقف نينوي :
فيري أن الذي يدين غيره ، هو شخص في المستوي النفساني ، وليس في المستوي الروحاني ، لذلك يدين الكل ، لأن في قلبه شجره معرفة الخير و الشر ، يفحص بها أعمال الناس هل هي خير من شر . وهكذا يقول ماراسحق :
" النفساني هو قاض للأبرار و الخطاة ، وديان للأحياء و الأموات . ومنصوبة في قلبه شجره معرفة الخير و الشر ، التي منع رأس جنسنا آدم من أن يدنو منها أو يذوقها لئلا يموت . هذا تغتذي معرفته منها في كل وقت ". إنه إنسان شغوف بحبة القضاه .
وكل الذين يقابلهم يضعهم في ميزان معرفة الخير و الشر ، ليس الأحياء فقط بل الأموات أيضاً ...
وبنفس الوضع يتكلم مارأوغريس ، فيقول :
" لا تتكلم بالشر علي الذي مات ، لئلا تكون دياناً للأموات أيضاً "...
لأن الذي يفعل هذا يأخذ مكانه السيد الذي قال السيد المسيح الذي قال عنه أنه يأتي " ليدين الأحياء والأموات ".
حقاً ، كما يحدث إن إدانتنا لا تقتصر علي الأحياء فقط ، بل كثيراً ما ندين الأموات أيضاً ، الذين ربما يكونون قد تابوا قبل موتهم ومحا الله خطاياهم ، ولم يعد يذهرها حسب وعده القائل " لأني اصفح عن إثمهم ، ولا أذكر خطيتهم بعد "

( أر 31 : 34 ) .
الله لا يذكر تلك الخطايا ، ونحن نذكرها !!
حقاً إن في ذلك لعجباً ... ذاكرة الإنسان أحياناً تتعبه غيره . وكذلك لسانه ، يتعبه ويتعب غيره ...
يضع الإنسان نفسه رقيباً علي أعمال الكل ! بعين نقادة ، وفكر لا يهدأ ، ولسان يستطيع أن يجرح . بينما القديسون منعوا الإدانة ، مهما كانت الأسباب .
قال القديس الأنبا انطونيوس :
لاتعتبر أحداً مهما كانت الأسباب . ولا تفتر علي أخيك ، ولو رأيته عاجزاً عن إتمام جميع الفرائض .

********
وقال القديس الأنبا باخوميوس :
" لا تحتقر أحداً من الناس ولا تدنه ، ولو رايته ساقطاً في الخطية ".
********
ولعل تعليم الإنجيل يؤكد لنا هذه القاعدة ، وذلك في :
قصة المرأة المضبوطة في الفعل :
إن الذين ضبطوها واتوا بها إلي الرب للحكم عليها بالرجم ، لم يدعوا عليها ظلماً ، ولم ينسبوا إليها ما لم تفعله فقد كانت فعلاً ساقطة في الخطية . ومع ذلك منعهم السيد من إدانتها وحول تفكيرهم إلي خطاياهم هم ، قائلاً " من كان منكم بلا خطية ، فليرمها أولاً بحجر
"( يو 8 : 7 ) .
وأعطانا درساً أن لا ندين أحداً ، حتي لو رأيناه ساقطاً في الخطية .
نحن أيضاً ساقطون في خطايا كثيرة ... ولا يجوز لمريض أن يعير مريضاً آخر بمرضه ، وكلاهما تحت الألم . إنما الأفضل ستر الناس وليس كشف عيوبهم ، فنحن أيضاً لنا عيوب
********
قال القديس يوحنا ذهبي الفم :
" أن كنت لا تستطيع أن تستر أخاك .. وأن تأخذ خطيته وتنسبها إلي نفسك ، وأن تموت عنه فعلي الأقل ... لا تدنه ".... وقال ذهبي الفم أيضاً :
" أن كنت لا تستطيع ان تسكت فم الذي يتكلم بالشر علي أخيك فعلي الأقل لا تفتح فمك أنت بالشر عليه ".
أي أن الوضع الأمثل هو ان تمنع السمعة الردئية من أن تصل من الآخرين إلي أخيك . فإن لم تستطيع ، فعلي الأقل لا تشاركهم في إدانته . وبالأحري لا تبدأ أنت حديث الإدانة ...
********
قال القديس بولس السينائي :
" تنهد علي قريبك إذا أخطأ ، كما تتنهد علي نفسك ، لأننا كلنا تحت الزلل ".
ذلك لأنك بهذا تعامله بترفق المحبة ، وليس بقسوة الحكم . إنه أخوك وقريبك مهما سقط . عن الآب السماوي قال في رجوع إبنه الضال " إبني هذا كان ميتاً فعاش ، وكان ضالاً فوجد "( لو 15 : 24 ) . وهكذا دعاه إبنه علي الرغم من الموت ومن الضلال فكم بالأكثر تعامل أخاك ... علي أننا نلاحظ ملاحظة هامة في هذه القصة وهي :
الآب السماوي غفر لهذا الإبن ، وأخوه لم يغفر !!
بل رفض أن يدخل ، ورفض أن يشترك في الفرحة بعودته ، وأدانه مع الآب قائلاً " إبنك هذا الذي اكل معيشتك مع الزواني "( لو 15 : 30 ) . عجيب هو الرب في محبته وعطفه ... هو الذي يغفر ، مع ان له كل الحق ونحن الذين ندين ، ولا حق لنا !
********
قال القديس انسطاسيوس :
" لا تكن دياناً لأخيك ، لتؤهل أنت للغفران . لأن الرب يقول : لا تدينوا لكي لا تدانوا ". نعم بكيل المغفرة و الرحمه الذي نكيل به للآخرين ، يكال لنا في يوم الدينونة أن عدم الإدانة عامل مساعد علي نوال المغفرة . لكي يشترط طبعاً الإيمان و التوبة ....
قال ماراسحق :
" احذر من أن تكون جالساً وتفكر في أخيك بالشر ، فإن هذا يقلع جميع بنيان برج الفضيلة من قلبك ... حتي إن كنت قد وصلت إلي حد الكمال "... ويعلل ماراسحق هذا بقوله " ذلك لأن الهذيذ في الأفكار الردية يقسي القلب "...
ويقول أيضاً : غط علي اخيك الخاطئ ، وقوه من غير أن تشمئز منه لكيما تحملك رحمة سيد الكل ".
أي أن الرحمة التي نقابل بها الخطاه ، تؤهلنا لأن ننال رحمة من الله ، عملاً بقول الرب :" بالكيل الذي به تكيلون ، يكال لكم ويزاد " ( مر 4 : 24) .
وقال ماراسحق أيضاً :
اسند الضعفاء وصغيري القلوب و النفوس بكلمة ... فتسندك اليمين التي تحمل الكل ... كن شريكاً للموجوعين بقلوبهم ، بصلاتك الحزينة وبتنهد قلبك ... لكيما ينفتح لسؤالك ينبوع الرحمة ". وقال أيضاً :" لا تمقت الخاطئ ، لأننا كلنا خطاه آثمون . وإن تحركت عليه من أجل الله ، فابك عليه ، وصل من أجل نفسه ". وهكذا يضع الآباء الرحمة في موضع الإدانة . ويأمرون بالصلاة من أجل الخاطئ بدلاً من اساءة سمعته . وليس هذا من أجله فقط ، بل أيضاً من أجل انفسنا .
حتي لا ندان بسبب إدانتنا ، بل علي العكس يعاملنا الله بالرحمة بسبب رحمتنا وفي هذه النقطة أتفقت أقوال القديسين :
********
قال القديس الأنبا أنطونيوس :
" لا تدن غيرك لئلا تقع في أيدي اعدائك ".
" وتفعل الخطايا القديمة التي تركتها ".
أن أن الله إذا رآك قاسي القلب في أحكامك علي الناس ، يسمح أحياناً أن تجرب بقسوة الحروب التي يعانونها من أعدائهم الشياطين . حتي إذا ما سقطت ، تعود وتشفق علي غيرك ، ولا تدين ...
وقال أيضاً : إياك أن تعيب أحداً من الناس ، لئلا يبغض الله صلاتك حقاً ، ما أصعب هاتين النتيجتين اللتين تنتجان عن إدانة الاخرين حسب تعليم أبينا القديس الأنبا انطونيوس :
أ‌- ان تسلم لأيدي أعدائك ، وتفعل الخطايا القديمة .
ب‌- أن يبغض الله صلاتك
ولماذا يبغضها ؟ لأنها ليست صادرة من قلب محب . ونفس هذا التعليم نسمعه من القديس الأنبا إشعياء المتوحد :
********
وقال القديس دوروثيئوس :
من دان في قلبه ، وتحدث بسيرته علي لسانه ، تتخلي عنه المعونه الإلهية ، فيسقط فيما دان أخاه عليه ".
********
وقال القديس مقاريوس الكبير :
"احفظوا ألسنتكم ، وذلك بأن لا تقولوا علي أخوتكم شراً ... لأن الذي يقول علي اخيه شراً ، يغضب الله الساكن فيه ".
" وما يفعله كل واحد برفيقه ، فبالله يفعله ".
قصة من البستان :
في إحدي المرات أتي الأب اسحق القس التبايسي إلي مجمع الشركة ، وأدان أحد الأخوة علي فعل أتاه . فلما عاد إلي قلايته في البرية ، أتاه ملاك الرب ووقف أمام باب القلاية ، وقال له : إن الله ارسلني إليك لكي أسألك :
" أين تريد أن نلقي بنفس هذا الخ ؟"
وحينئذ أحس الأب اسحق بالخطأ الذي ارتكبه ... أنه لا يريد طبعاً أن تلقي نفس ذلك الأخ إلي الهلاك ! فتاب لوقته للملاك " أخطأت فليغفر لي الرب بصلاتك ". فقال له الملاك " قد غفر الله لك وكن عليك أن تحفظ نفسك ، ولا تدن إنساناً قبل أن يدينة الله ".

********
قال القديس الأنبا بيمن :
" قد تجد إنساناً يظن به أنه صامت . لكن فكره يدين آخرين . فمن كانت هذه صفته ، فهو أبداً يتكلم ". ويقصد القديس أن الإدانة ليست باللسان فقط ، إنما بالفكر أيضاً . وصمت اللسان وامتناعه عن كلام الادانة ، لا يمنع أنه واقع فيها بالفكر .
ومع ذلك فالإدانة بالفكر أقل دينونة من الأدانة باللسان .
وذلك لأمرين : أولهما أنك بسقطه الفكر لاتعثر سامعين . وثانيهما انك لا تسئ إلي سمعه غيرك . فسقطة فكرك قاصرة عليك وحدك وليس لها نتائج خارجك ، إلا إذا تطورت إلي اللسان .
********
وقال أحد الاباء :
إن رأيت شخصاً يخطئ اليوم ،فلا تتكلم باكر في إدانته ، لأنك لا تعرف ، ربما رجع في هذه الليلة ، وبكي علي خطيته وتاب ، ومحاها له الله ..
وقال القديس مقاريوس الكبير :
لا تضعوا في ذهنكم ، ولا تقبلوا في فكركم إن إنساناً ما شرير . لأن بطرس الرسول يقول " قد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما انه دنس أو نجس " ( اع 10 : 28 ) .
********
قال القديس مارافرام :
أن التلذذ بعيوب الاخرين ، يدل علي أننا ممتلئون بغضه .
وقال كذلك " من يشمت بسقطة أخية ، يسقط هي أيضاً سقطة مثلها ". وقال " لاتترفع علي أخيك في ذهنك ، لأنك لا تعلم ماذا سيحدث في اليوم المقبل فمن الجائز أنه يتوب وتسقط أنت ".
وقال مار أفرام أيضاً : إن الذي يسب رفيقه له صفتان : الوقيعة و البغضة " " ومثل هذا يعتبر فاقداً للتحنن وعادماً الرحمة ".
وقال لاتكن دياناً لغيرك ، لأن كل واحد منا سيعطي اجابة عن أعماله . وأنت سوف لا تعطي أجابة عن اعمال غيرك ".
********
وقال القديس سمعان العمودي :
إن وجدت واحداً من اخوتك قد مال قليلاً ، فلا تقطع رجاءه . لن الكتاب يقول " عزوا بعضكم بعضاً " ( 1 تس 4 : 18 ) . " المنتظر منك أن تقيم الإنسان الساقط ، لا أن تقضي عليه ". وقال القديس سمعان العمودي أيضاً " إن كنت تدين أخاك ، فماذا تقول لك عن نفسك .
********
قال القديس الأنبا بيمن :
إذ دنا أنفسنا ، لا يبقي لنا وقت ندين فيه آخرين .
قال مار اسحق : :
" لا تدن غيرك ، لئلا تمتحن بما أمتحنوا به "
أي لكي لا تقع في نفس الحرب الروحية الصعبه التي تعرضوا لها . وهكذا توقع نفسك في التجارب . وقال أيضاً " اذكر أنك من الطبيعة الأرض ، مشترك معهم في جسد آدم ، وفي نير هذه الطبيعة ".
وقال ماراسحق أيضاً :
" الإنسان البعيد عن ذكر الله ، هو المهتم بقول السوء علي أخيه ". أي أن الإنسان إذا كان منشغلاً بالصلاة و التأمل ، وقراءة الكتاب ، والمداومة علي ذكر الله في قلبه ، لا يبقي لدية وقت يتفرغ فيه لذكر أخطاء الناس . اما الإنسان المقصر في عبادته ، فإن الفراغ يساعده علي كلام الإدانة .
********

قال القديس يوحنا القصير :
كن حزيناً علي الذين هلكوا . وكن رحيماً علي الذين سقطوا .
لعله يشبه هذا بما قاله القديس بولس الرسول في رسالته إلي العبرانين " اذكروا المقيدين ، كأنكم مقيدون معهم . واذكروا المذلين ، كأنكم أنتم أيضا في الجسد " ( عب 13: 3 ).
نعم ، ليس المفروض أن ندين الساقطين ، بل أن نقيمهم .
وفي ذلك يقول الكتاب " شددوا الأيادي المسترخية ، والركب المرتعشة ثبتوها " ( أش 35 : 3 ) . وأيضاً يقول الرسول " شجعوا صغار النفوس . اسندوا الضعفاء . تأنوا علي الجميع "( 1 تس 5 : 14 ) .
قال " اسندوا الضعفاء " ولم يقل أن تدينوهم أو تحتقروهم أو تشهروا بهم أمام الآخرين .
وقال ماراسحق :
" الذي ينظر الخشبة التي في عينية ، لا يتفرغ لأن ينظر القذي الذي في عين أخيه ". وقال أيضاً :
" الذي يعتني بأن يقوم في ذاته المناقص التي تظهر له في الآخرين الذين هو سالك بينهم ، هذا قد وجد مرآة روحية داخل نفسه ".
أي أننا عندما نري خطأ ما يرتكبه البعض ، نفحص أنفسنا جيداً ، وربما نري هذا الخطأ فينا ، فنعاج في أنفسنا ما نري غيرنا يدانون عليه . وهذا المعني نفسه ردده القديس مارأوغريس .
قال القديس مارأغريس :
" الذي يفحص نقائص الآخرين ، هو لم يفحص بعد أعماله الخاصة بحرص . لأنه لو فحص نفسه جيداً ، لوجد أن العيب الموجود عند الناس ، هو موجود عنده أيضاً ".
وهذا المعني ليس فقط لماراسحق ومارأوغريس ، وإنما :
********
قال الأنبا ميلوس :
" إذا نظرنا في أمور أنفسنا ، ندين آخرين . لأن أموراً كثيرة هي فينا ، ونحن نلوم بها غيرنا " .
********
وقال أحد الآباء :
إن الله هو الديان . وقد اعطي الدينونة كلها للإبن ( يو5: 22 ) . ومع ذلك أجل تلك الدينونة إلي اليوم الأخير الذي يأتي فيه في مجده ليدين الأحياء والموات فلماذا تتعجل الأمر ، وتبدأ أنت في الدينونة من الآن .
وقال القديس مقاريوس الكبير :
" احفظوا ذواتكم من كلام النميمة و الوقيعة ، لكي تكون قلوبكم طاهرة . لأن الأذن التي تسمع النميمة ، لا تستطيع أن تحفظ طهارة القلب بدون دنس ". أي أجعل أذنك نظيفة ، لكي يصير قلبك نظيفاً ، لأن الأذن توصل إلي القلب . فإن كان الذي يسمع في خطر ، فكم بالأكثر الذي يتكلم ؟ وكم بالكثر الذي ينقل الكلام الردئ .
وماذا عن الذي يسئ العلاقات بين الناس بما ينقله من كلام ؟ لاشك أنه يكون بعيداً عن الله ، لن الكتاب يقول " طوبي لصانعي السلام ، لأنهم يدعون أبناء الله "( متي 5: 9 ) . فالذي لا يصنع خصومة ، ليس هو إبناً لله .

********
سئل القديس يوحنا الأسيوطي :
هل الذي يدين الشر هو الذي يبغضه ؟
فأجاب : كلا لأن كل الناس تقول إنها تبغض الشر . وإنما أعمالك هي التي تثبت أنك تكره الشر .
********
وقال القديس أوغسطينوس :
إن الإنسان الذي استطاع آن يروض الوحوش ، لم يستطيع أن يروض لسانه ( كما قال معلمنا يعقوب 3 : 8 ) . من ذا الذي لا يخاف من قول الرب : من قال لأخية يا أحمق ، يكون مستحقاً لنار جهنم ".
علاج الادانة :
بتعود أحترام الناس
إن عرفنا أسباب الإدانة ، يمكن أن نعرف علاجها . وأول سبب هو ان سبب هو أن الإنسان يبيح لنفسه أن يخوض في سمعة الآخرين ، ويجرح بهذا كرامتهم .
إذن عليك أن تتعود إكرام الناس ومحبتهم ، سواء في حضورهم أو غيبتهم
عود نفسك عدم الإساءة إلي أحد ، سواء في الحديث معه ، أو في الحديث عنه . إن كانت لديك كلمة طيبة ، قلها . وإلا ، فالأصلح أن تصمت ... تعود عدم إهانة أحد ، وعدم الحديث عنه بالسوء . ولا تضع أحداً علي ميزان النقد ، ولا تشرح شخصيات الناس . وفي هذه الحالة لن تدين أحداً .
إن الشخص الذي تعود احترام الغير ، لا يمكن أن يدين الغير .
في الحياة الاجتماعية يلقبون هذا الشخص بأنه " إنسان مهذب ". يكلم كل احد بلياقة وباحترام وبأسلوب لطيف العيب طريقاً إلي لسانه . فلسانة لم يتعود أن يهين أحداً ، ولا ان يتكلم علي أحد كلمة سوء ، وبالتالي لا يدين أحداً . انظر ماذا يقول القديس يعقوب الرسول عن هذه النقطة بالذات في حديث عن أخطاء اللسان :
" به نبارك الله الآب . وبه نلعن الناس الذي قد تكونوا علي شبه الله ( يع 3 : 9 ) .
فاعتبر ان خطية الإدانة لعنه ، وإنها لعنه ضد أناس خلقوا علي صورة الله وشبهه ومثاله ( تك 1 : 26 ، 27 ) . وتابع الرسول كلامه معاتباً فقال " من الفم الواحد ، تخرج بركة ولعنة ! لا يصلح يا أخوتي أن تكون الأمور هكذا "( يع 3 : 10 ) . إن كان الرب يقول " باركوا لاعنيكم " ( متي 5 : 44 ) ، فهل نحن نلعن أخوتنا ؟!
وهوذا الكتاب يقول " باركوا ، ولا تلعنوا "( رو 12: 14 ) . ليكن فمك إذن نقياً ، وليكن لسانك طاهراً عفيفاً ، تخرج منه كلمات البركه ، ولا تخرج منه كلمة إدانة : شتيمة كانت أم لعنه أم إهانه ...
تدرب أنك لا تتكلم إلا عن فضائل الناس بقدر استطاعتك .
ركز علي النقط البيضاء التي في حياتهم ، واترك الباقي . حاول أن تتناساه . اما الأشخاص الذين اسودت صورتهم في ذهنك جداً ، وصاروا مثل " اسكندر النحاس " عند بولس الرسول ( 2 تي 4 : 14 ) ، فالفضل انك لا تأتي بسيرتهم علي لسانك ، أقول أيضاً " علي قدر طاقتك " ... إلي أن يصلح الله أمرهم ، إن أمكن ذلك ، وحينئذ ستتغير صورتهم في فكرك ..
يستثني من هذا أعداء الكنيسة وأعداء الإيمان .
أولئك الذين ينبغي أن تحذر الكنيسة منهم ، وتشرح أخطاءهم اللاهوتية حتي لا يقع أحد فيها . وعن مثل هؤلاء قال السيد الرب " احترسوا من الأنبياء الكذبة ( متي 7: 15 ) وأيضاً " احذروا من الناس " ( متي 10 : 17 ) .
معالجة مشكلة الفراغ
في كثير من الحيان ، إذ لا يجد الناس موضوعاً يتحدثون فيه يكون حديثهم عن اخبار الناس وأخطائهم وفضائحهم وسقطاتهم .
وهكذا تكون سيرة الناس هي الموضوع الأساسي للحديث في البيوت ، وفي النوادي و المقاهي ، وفي كثير من الجلسات حيثما وجدت . ليس لأنهم يريدون أن يدينوا غيرهم ، وإنما لأنهم لا يجدون موضوعاً آخر - غير أخبار الناس – يتحدثون فيه .
وقد يدينون رؤساء دول لمجرد قراءة أخبار تمسهم في الجرائد ، دون معرفة مدي صحة هذه الأخبار !
أو يدينون شخصاً ذكرت الجرائد أنه قد قبض عليه في حادث معين . وربما تذكر الجرائد بعد شهور أن القضاء قد برأه ، بعد تحقيق ما قد نسب إليه . ولكن هذا الإنسان تكون سمعته قد وصلت إلي التراب خلال تلك الشهور . وربما يكون البعض قد قرأ خبر القبض عليه ، ولا يكون قد قرأ خبر الحكم ببراءته ....
ليت الناس يجدون مواضيع دسمة ومفيدة يشغلون بها وقت فراغهم .
يقيناً إن وجدوا هذا ، لايكون أمامهم مجال لشغل وقتهم بمسك سيرة الناس انظروا إلي طلاب الكليات و المعاهد و المدارس ، في أيام امتحاناتهم ، وهم مشغولون بالمذاكرة و المراجعة والاستعداد للأمتحان ، أتراهم لديهم وقت للحكايات ، أو لتقليد المدرسين و التندر عليهم ، أو للحديث عن أخبار زملائهم وأخطائهم وفضائحهم ؟ كلا بلاشك ، لأنهم مشغولون ...
كذلك المرأة العاملة ليس لديها وقت كاف ، للجلوس مع جاراتها والحديث عن اخبار باقي الجيران ...
مع ما تحمل أمثال هذه الأخبار من التعرض لبعض الأخطاء وإدانتها . وإن وجدت وقتاً لهذا ، يكون – بالمقارنة - أقل بكثير جداً من زميلتها التي لا تعمل ، وأمامها فراغ طويل المدي لا تعرف كيف تقضيه ، واحتمال الوقوع في مسك سيرة الناس ، محتمل أمامها ووارد ...
ولكننا نقول إن الفراغ هو نصف السبب و النصف الثاني هو كيفية قضاء الوقت في هذا الفراغ .
فقد يستغل أحداهم الفراغ في قراءة مفيدة ، ينتفع بها ، وينفع بها غيره في أحاديثه معهم . والبعض قد يستغل الفراغ في عمل اليد ، أو في التدريب علي مهنة أو مهارة معينة ، أو يستغل فراغه في خدمة الآخرين . أو في زيارة مريض ، أو في تعزية حزين ، أو في مساعده محتاج .
وفي الاجتماع مع الناس ، ما أحوج الكل إلي موضوع نافع يتحدثون فيه . ويمكن هذا ، أن قصد أحدهم هذا الأمر ، واستطاع أن يدير الحديث في موضوع نافع ، يكون قد درسه ، وأصبح مستعداً للكلام فيه ، والأجابة عن كل سؤال يدور حوله . وإدارة دفة الحوار بطريقة تفيد الكل . وذلك قبل أن يبدأ غيره فيطرح سيرة توقع الكل في الإدانة ...
ويمكن أن يحدث هذا أيضاً في محيط الأسرة .
بطريقة بسيطة وتلقائية ، لا تشعر أحداً بأنه أمام مدرس أو محاضر ... وذلك بطرح موضوع علمي ، او ديني ، أو قصة أو خبر نافع ، أو أو اكتشاف مفيد ، أو ملخص لباب قرأة في أحد كتب الثقافة أو كتب التاريخ ، أو اكتشاف مفيد ، أو ملخص لباب قرأة في أحد كتب الثقافة أو كتب التاريخ ، أو أمر جديد ممتع من أمور المعرفة ، أو بعض التسليات والألغاز حول الكتاب المقدس أو سير القديسين .
إن الجلسة العائلية تحتاج إلي استعداد ، وكذلك جلسات الأصحاب ...
أما ترك تلك الجلسات في فراغ ، فإنه يقود إلي أمثال هذه الإدانات ، أو إلي الثرثرة الفارغة التي هي مضيعة للوقت ، أو الحديث في أي منازعات قد تتحول إلي صياح وشجار . ذلك لأنه لا يوجد موضوع نافع يتحدثون فيه ، أو لا يوجد من يتولي دفة الحوار بمهارة .
ألا ترون ان السبب ليس مجرد فراغ في الوقت ، وإنما في الفكر أيضاً ... ونعود إلي السؤال مرة أخري : لماذا تمتلئ البيوت والنوادي و الجلسات بمسك سيرة النماس ؟ ونجيب :
لأنهم في فراغ ، لا يجون موضوعاً آخر يتحدثون فيه .

عدم السماع :
حاول بقدر امكانك ، أن لا تسمع ما يقال عن أخطاء الآخرين .
ابعد عن المجالس التي تعرف انها ستدور حول هذه الموضوعات و؟أمثالها . وأن اضطررت للجلوس ، فلا تجعل ذهنك مركزاً فيما تسمعه ، بل حاول أن تشغل نفسك بشئ آخر ، أو حاول أن تغيير مجري الحديث .
وما تسمعه عن أخطاء الناس ، لا تصدقه كله .ربما الراوي الذي روي الحديث لم يراع الدقه ، أو ربما أن الخبر قد تناقل من شخص إلي آخر له رد علي كل هذا الذي يقال . ونحن لا نستطيع أن نحكم علي أمر من جانب واحد . وقل لنفسك أيضاً :
حتي أن كان كل ما قيل صدقاً ، ما شأني أنا به ؟ استخدم هذه العبارة " أنا مالي خليني في حالي " .
أخبار الناس ليست من اختصاصي ، ولا انا مسئول عنها أمام الله و الناس وهذا الذي سمعته ، كأني لم اسمعه و لا علمت به .
وهكذا لا تعاود التفكير فيما تسمعه من إدانات . لأن التفكير يثبت الإدانة في ذهنك ، وربما يتطور الأمر معك . فليكن ما سمعته إذن لا يعدو أن يكون كلاماً عابراً ، لا تعطه عمقاً في داخلك . . ولا تتحدث فيه مع آخرين ، ولا تنقله إلي أحد ، حتي لا يكبر حجمة ... وحاول أن تصلي من أجل الشخص المدان ، ليستر الله عليه . أطلب له المغفرة ، وأطلب له الرحمة ، واسال الله أن يصلحه . ولكن أياك أن تحتقره أو أن تدينة .
قال القديس الأنبا موسي الأسود " إياك أن تسمع بسقطة أحد اخوتك لئلا تكون قد دنته خفية .

حجة اصلاح الاخرين :
إن اتاك فكر أنك إنما تدين لأجل اصلاح الآخرين ،وبدافع من الغيرة المقدسة ، حينئذ قل لنفسك :
ليس من أجل إصلاح الاخرين ، انا أخسر نفسي !
وقل أيضاً : هل أنا الذي أقيم نفسي مصلحاً للآخرين ؟ أم إنني مكلف بذلك رسمياً أمام الله ، بحيث يتعبني ضميري إن لم أفعل ؟ ثم وصلت أنا إلي المستوي الذي أصلح فيه غيري؟
وإن كنت قد اؤتمنت فعلاً علي وكالة ( 1 كو 9 : 17 ) ، فلتضع أمامك هذه القاعدة الروحية الهامه :
الذي يريد أن يصلح الآخرين ، ينبغي أن يصلحهم بطريقة صالحة . ويأتي ذلك بالحب وبالأتضاع ، وبالكلمة اللطيفة الهادئة ، وعدم جرح شعور أحد فيما تريد صلاحه . وأيضاً عدم كشف عيوبه أمام الناس .
ولا يمكن أن يصلح أحداً بتغييره أو مسك سيرته .
وفي هذا الأمر ما اجمل قول الرب " فيما بينك وبينه وحدكما "( متي 18 : 15 ) . ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم في تأملاته حول هذه الآية " اسمعوا ما يقول المسيح ... وبخه فيما بينك وبينه ، ولم يقل بينك وبين كل المدينة ، ولا بين كل الشعب ... إنه توبيخ في السر ، لكي يكون الاصلاح سهلاً " . والله يفعل معك مثل هذا ، في السر أيضاً :

فهو حينما يريد أن يبكتك علي خطيئتك ويقودك إلي التوبة ، يفعل هذا في سر من الأسرار الكنسية ، فيما بينك وبين كاهنه سراً ، وليس في اعتراف علني ....وفي الدفاع عن الحق واصلاح الآخرين أذكر قول بولس الرسول :
" أيها الأخوة إن إنسيق إنسان ، فأخذ في زلة ، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ، ناظراً إلي نفسك لئلا تجرب أنت أيضاً "( غل 6 :1 )وأيضاً قول القديس يعقوب الرسول " من هو حكيم وعالم بينكم ، فلير أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة . ولكن إن كانت لكم غيره مرة وتحزب في قلوبكم ، فلا تفتخروا وتكذبوا علي الحق . ليست هذه الحكمة نازلة من فوق ..." ( يع 3 : 13- 15 ) . نقطة أخري وهي : عليك ان تختبر نفسك جيداً :
أحقاً انت تدين من أجل اصلاح الاخرين ؟
هل دوافعك هي مجرد مقدسة خالصة ، غير مختلفطة بمشاعر اخري : أم ان الدافع الحقيقي هو عدم محبة هذا الشخص ، وحقد مستتر ، أو شماته بإنسان مخطئ ، أو محاولة اظهار أنك تعرف أكثر ، وأنك بالقارنة أفضل ، واظنك في موقف المعلم و المؤدب و القائد .! اختبر نفسك جيداً . وإن كنت في غيرتك تدعي أنك تأخذ حق الله من الناس ،
فهل أخذت أولاً حق الله من نفسك ؟
هل بدأت باصلاح نفسك ، قبل أن تقوم باصلاح غيرك ؟ هل أصبحت " تبصر جيداً "( متي 7: 5) بحيث تستطيع أخراج القذي من عين أخيك ، دون ان تتلف عينة ؟ علي أنه في موضوع اصلاح الاخرين ، نحب أن نضع أمامك :
مثل الزوان والحنطة :
لقد جاء الخدام إلي الرب يسألونه هل يذهبون فيخلعون الزوان من الحقل ، فأجابهم "لا ، لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتتم تجمعونه . دعوهما ينميان كلاهما معاً إلي يوم الحصاد "( متي 13 : 28 –30 ) . إن الله لا يريدنا أن نضيع جهودنا في خلع الزوان ، بقدر ما يريدنا أنت ننمو كحنطة .
حتي إذا جاء يوم الحصاد ، يجد سنابلنا مملوءة بثلاثين وستين ومائة ، فتمتلئ أهراؤه قمحاً ... كثيرون شغلوا أنفسهم بجمع الزوان ، باسم الغيرة المقدسة والاصلاح . وبسبب هذا امتلأوا الجو بالادانة والانتهار وتوبيخ الآخرين ، والحديث ، والحدث عن أخطاء الكنيسة و الجمعيات و الخدام و الكهنة ، بألفاظ كلها قسوة ، وخالية من الاحترام ومن الأسلوب اللائق المذهب . ونظر الناس إلي هؤلاء ( المصلحين ) وصورتهم العصبية واساليبهم المهنية وقالوا : إنها تذكرنا بصورة الزوان .
نعم ، أخشي عليك في جمع الزوان ، أن تصير أنت نفسك زواناً !
إذ تفقد وداعتك ، وتتعلم الشتيمة والأهانة ، ومسك السيرة ، والتعالي علي الناس ... كما تتعود قسوة القلب في احكامك ، بل قد تكرة البغض وتعاديهم وتثور نضج ... عجباً أتراك من أجل الرب في كل تلك الخطايا ؟! نعم احترس ، لئلا فيما تخلع الزوان من الناس ، تخلع أيضاً الحنطة التي فيك : تخلع هدوءك ، وسلامك القلبي ، ودمائة خلقك . وتخلع أيضاً ثمار الروح التي عندك " المحبة و الفرح والسلام و الوداعة واللطف والتعفف "( غل 5: 22) .
ومع فقدك كل هذا تجد أنك لم تصلح أحداً ! وإنك لا كسبت سماء ولا أرضاً ، ولا كسبت قيادة الناس ،إلي الملكوت ، ولا كسبت هدوءك وعلاقتك مع الناس علي هذه الأرض . لا كسبت الناس ، ولا ربحت نفسك ... لأن أصلاح الناس لا يأتي عن طريق افدانة و التشهير ....
يقول القديس أوغسطينوس :
" أننا عندما نغتاظ من الأشرار ، فلسنا بعد سوي بشر . وعلينا أن نصغي إلي قول الرسول : من يظن أنه قائم ،فلينظر لئلا يسقط ( 1 كو 10: 12 ) فلنكن نحن حنطة ، ولا نضيع أوقاتنا في جمع الزوان . وإذا أردنا أن نجمع زواناً ، فلنجمع الزوان الذي فينا . لنجمع الخطية التي فينا ونخرجها خارجاً . لئلا فيما نحاول اصلاح غيرنا ، ننسي اصلاح أنفسنا . عجيب أن كل أحد أصبح يقيم نفسه مسئولاً عن الناس !
يفكر في الناس وأعمالهم ، وما ينبغي أن يصدر علي أعمال الناس من أحكام ! أما نفسه فهي آخر ما يفكر فيه !
صدقوني إنها حرب من الشيطان أن يشغلنا عن أنفسنا ، بالتفكير في خطايا الناس ، وأن يشغلنا عن التوبة ، وبالتفكير في اعمال الناس .
إن الله في اليوم الأخير سوف لا يحاكمك علي خطايا غيرك . إنما سيحاكمك عن أخطائك وحدك .
الاتضاع وادانة النفس
يمكن معالجة خطية إدانة الآخرين ، عن طريق إدانة النفس ..
· وقد شرح القديس مارأوغريس ، كيف أن كلاً منهما ضد الأخري فقال : " أن دنا أنفسنا ، وحكمنا علي أنفسنا أننا أشرار ، يبدو الناس أمامنا أطهاراً وملائكه . وإذا دنا الناس وحكمنا عليهم بأنهم أشرار ، نبدو نحن امام أنفسنا أننا ملائكة وقديسين " .
* في أحدي المرات مدح بعض الآخوة شخصاً أمام القديس الأنبا بيمن ، وقالوا في سياق الحديث إنه يكره الأعمال الشريرة . فسألهم عن معني عبارة " يكره الأعمال الشريرة التي يعملها الناس ".
* قال القديس الأنبا باخوميوس " إن الإدانة تأتي من تعظيم القلب . امام المتضع ، فإنه يعتبر كل الناس أفضل منه ".
وقال القديس باخوميوس :
" احفظ نفسك من ذلك الفكر الذي يجلب عليك تزكية ذاتك وازدراء أخيك ، لأنه مغبوط جداً قدام الله ذلك الإنسان الذي يكرم غيره ويرذل نفسه ". لذلك كلما يأتيك فكر إدانة لأحد ، تذكر خطاياك . وقل : هذا الإنسان أبر مني لأني فعلت كذا وكذا . ولا يمكن أن يكون هو قد وصل إلي هذه السقطات التي وقعت فيها أنا . إنكا إذا لم تفكر في عيوبك ، فسوف تقع في عيوب غيرك .
لذلك يقول مارإشعياء : : إن تركت الاهتمام بخطاياك ولم تنشغل بها ، وقعت في خطايا غيرك .
· * سأل أحد الأخوة شيخاً من شيوخ الرهبنة " ما هو الشبب في أني أدين الأخوة دائماً ؟" . فإجابه الشيخ : لأنك لو عرفت نفسك ، لما تفرغت لغيرك . لأن الذي يهتم باخراج الخشبة من عينه ، لا يتفرغ لاخراج القذي من عين أخيه .· ولهذا إن فكرت أن تدين إنساناً ، قل لنفسك " أنا ايضاً خاطئ ". " إن فحصت نفسي جيداً ، ووجدت إنني بلا خطية ، فلأقذفه بهذا الحجر ...
· * في أحدي المرات طردوا أخاً من المجمع ، واخرجوه خارجاً خارجاً . فسأل القديس بيساريون عن السبب ، فقيل له بسبب الخطية التي وقع فيها . فقام القديس بيساريون وخرج هو أيضاً خارج المجمع ، وهو يقول :" وأنا أيضاً خاطئ ".
* ومعروفة قصة القديس موسي الأسود ، الذي دعي إلي المجمع لمحاكمة أخ أخطأ . فحضر وهو يحمل علي ظهره كيساً مثقوباً ومملؤءاً بالرمل . فسأله . لماذا فعل هكذا ؟ فقال " هذه خطايا وراء ظهري تجري ، وقد جئت لأدين أخي علي خطيئته !!"...
* أخ سأل الأنبا بيمن قائلاً " كيف استطيع ان لا أقع في الناس ؟" فأجابه : إذا لام الإنسان نفسه ، فحينئذ يكون أخوه عنده أكرم وأعظم . أما إذا نظر إلي نفسه بأعجاب ،يكون أخوه في نظره خاطئة ومداناً .
قال ماراسحق : " مغبوط هو الإنسان الذي يكرم أخاه ، ويدين نفسه . ومغبوط هو الذي يري في عيوب الآخرين سقطات نفسه ".
· إي أنه كلما يري عيباً في الآخرين ، يبحث داخل نفسه ، فسيجد أن هذا العيب فيها . فيلوم نفسه بدلاً من أن يدين غيره ... وإذا رأي الناس يوبخون شخصاً علي خطأ معين ، يقول لذاته " هذا القلم علي خدك يا ارساني ".
-درب نفسك علي معالجة خطايا اللسان جمله …
فستجد أنك قد تخلصت من خطية الإدانة ضمناً . اسلك في بعض تداريب الصمت . أو في تداريب عدم التدخل فيما لا يعنيك ، ولا شك ان خطية الإدانة ستكون ضمن تدخلك في شئون غيرك . هذا التدريب سوف يساعدك علي مقاومة ( الإدانة باللسان ) . . وسيكون خطوة في مقاومة الإدانة بالفكر أيضاً بمرور الوقت ( الإدانة باللسان ). وسيكون خطوة في مقاومة الإدانة بالفكر ايضاً بمرور الوقت ، لنه سيغرس في قلبك البعد عن الأدانة .
*******
2- تذكر قول الرب " اذكر من أين سقطت وتب "( رؤ 2:: 5) وذلك بأن تجلس فيما بينك وبين نفسك ، وتعرف منم هم الأشخاص الذين تدينهم باستمرار ؟ وما هي الموضوعات التي توقعك في الإدانة ؟ وما هي الجلسات أو الشخصيات التي تكون عثرة لك . ثم تحترس من جهة هذه المصادر التي تتسبب لك في إدانة الآخرين .
3- يمكن معالجة الإدانة بالمحبة :
فإن كنت قد فقدتها بالنسبة إلي البعض ، أو فقدت بعضها ، فحاول بقدر إمكانك أن تسترجع ما فقدته . لأن الكتاب يقول عن المحبة إنها " لا تقبح " " ولا تظن السوء ولا تفرح بالإثم "( 1 كو 13 : 5، 6 ) ، وبالتالي لا تدين
وتاكد من أن الإدانة تزيد العلاقات سوءاً فبدلاً من أن تسترجع المحبة القديمة قد تزداد الهوة عمقاً بينك وبين الذي تدينة ، وبخاصة إذا كان هناك من يوصلون الكلام ، ومن يزيدون عليه . وحتي بدون هؤلاء ، أمام ضميرك وقلبك لن ترتاح...
*******
4- تذكر اضرار افدانة عليك :

وما قاله القديسون من أنه بالدينونة قد تفارقك النعمة و المعونة الإلهية ، وهكذا تتعرض للسقوط . وكذلك ما قاله السيد الرب إنه بالكيل الذي به تكيلون ، يكال لكم ويزاد ". كذلك ما توقعك فيه الإدانة من خطايا أخري تصاحبها
قال القديس بفنوتيوس :
احذر أن تقول كلمه ردية علي أخيك ، لكي لا يمنعك الله من أرض الميعاد وتحرم من أكل ثمرتها ... كما جري مع شعب اسرائيل بالنسبة إلي موسي أبيهم ويشوع وكالب أخويهم ".
وقال شيخ :
" إن خطية الوقعية من شأنها أن لا تترك صاحبها يحضر قدام الله ، لأنه مكتوب " إني كنت اطرد من يغتاب قريبه سراً " ( مز 101 : 5 )

وابتعد عن الإدانة خوفاً من السقوط ، وخوفاً من العقوبة .
ولا مانع من أن تضع في ذهنك بعض آيات الكتاب الخاصة بالإدانة : تحفظها وترددها ، وتتأملها بين الحين والآخر .
*******
5- تدرب أنك لا تظن السوء بالنسا ، ولا تحكم حكماً سريعاً .
فقد يكون الظن السئ فيه ظلم ، وكذلك الحكم السريع . ولذلك لا تحكم علي أحد دون فحص ، وبسرعة . بل تعود التروي و التأني في أحكامك عموماً ، سواء ما لك حق فيه ، وما ليس لك فيه حق .
واحترس من أن تلبس نظارة سوداء ، تنظر بها إلي الناس.
*******
6- حاول الشفقة علي الناس في أحكامك :

حاول أن تأخذ الجانب الذي يتراءف ، وليس الذي يقسو . وفكر في قلبك ، ربما تجد عذراً يخفف من الحكم . وفي اشفاقك صل من أجل المذنب ، فالصلاة تزيد مشاعر الشفقة كما أن الشفقة تدفعك إلي الصلاة .
*******
7- ولا تكون الإدانة حسب الظاهر :
فربما تجد رجلاً يبكي أمام كنيسة أو جمعية ويطلب مالاً لأنه لا يجد طعاماً لنفسه وأولاده ، ومع ذلك لا يعطية أحد . فتقول " ما أقسي هؤلاء الناس الذين لا يرحمون جائعاً !! بينما لو سألت لعلمت أنه يأخذ كثيراً ، ربما أكثر من حاجته ، ولا يكتفي . ويقوم بمثل هذا الموقف الباكي المستغيث لمجرد الاحراج و الضغط أمام الناس ، لأخذ المزيد بدون استحقاق!
*******
8- درب نفسك أن تحتمل من يسيئون إليك :
فأحياناً عدم احتمالك لهم ، يجعلك تتبرم بهم ، وتشكوهم ، وتتحدث عن أخطائهم امام كل أحد ، وتدينهم بمقدار ما أنت متضايق منهم . أعرف أننا لا نعيش في عالم كله مثالية . بل توجد اخطاء . وإن ثار قلبنا علي كل خطأ ، وانتقلت الثورة إلي ألسنتنا ، فأخذت تدين وتنشر أخطاء الناس ، وتهدد وتعاقب ... لا شك أننا أنفسنا لن نستريح ، كما أننا لا نريح أحداً .
كثير من اخطاء الناس ، تحتاج منا أن نجور مقابلها ، ونمررها بالصبر والاحتمال كأن لم نتحدث ، دون أن ندين أصحابها ...

*******
9- احترس من إدانة شخص علي عيب خلقي لا ذنب له فيه :
أو تجعله مجالاً للهزأة والاستهتار و التهكم بسبب شكله أو عقله ، أو تشويهه ، أو قصرة ، أو سمنته الزائده ، أو ما شابه ذلك . لأنه ليس من العدل أن يحكم علي إنسان بسبب شئ هو خارج ارادته .

*******
10 – كن حريصاً جداً في افدانة بطريق العتاب :
لأنه وان كان الله قد صرح بالعتاب ( متي 18 : 15 ) ، إلا أنه ليس كل إنسان يحتمل العتاب . وكم من عتاب أتي بنتائج سيئة جداً . ولذلك قال الكتاب " من يوبخ مستهزئاً لئلا يبغضك . وبخ حكيماً فيحبك "( أم 9: 7، 8 ) .
*******
ختاماً : لا تجعل خطية الإدانة تصبح طبعاً من طباعك :
فهناك فرق بين الإدانة العابرة . والإدانة التي تصير منهج حياة ، أو صفة ملازمة لإنسان . حيثما يوجد يدين ويحكم ويتنازل سير الناس بالنقد و التحليل ، بسبب وبدون سبب !!



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.fairouzehfriends.com/contact.forum
 
كتاب ادانة الآخرين - البابا شنودة الثالث
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 000{ القسم الديني }000 :: أصــدقاء الصور الدينية-
انتقل الى: